بدائع الفوائد
فَتُوْرُ القيام قطيعُ الكلامتَفْتَرُّ عن ذي غُروبٍ خَصرْ

وقال أيضًا١:

له الوَيْلُ إن أمسى ولا أمُّ هاشمٍقريبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنةُ يَشْكُرا

وقال جرير٢:

أَتَنْفَعُكَ الحَيَاةُ وأُمُّ عمرٍوقَرِيبٌ لا تَزُورُ ولا تُزَارُ

وقال جرير أيضًا٣:

كأْن لم نُحَارِبْ يا بُثَيْنُ لو انَّهَاتَكَشَّفُ غُمَّاهَا، وأَنْتِ صَدِيقُ

وقال أيضًا٤.

دَعَوْنَ الهَوَى ثم ارْتَهَنَّ قُلوبَنَابِأَسهمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صديقُ

قالوا: وشواهدُ ذلك كثيرةٌ، وفي هذا المسلك غُنْيَةٌ عن تلك التَّعَسُّفات والتَّأويلات.

وهذا المسلكُ ضعيفٌ أيضًا، وممَّن ردَّه أبو عبد الله بن مالك فقال٥: هذا القولُ ضعيف؛ لأن قائِلَهُ إما أن يُريدَ أن "فَعِيلًا" في هذا الموضع وغيره يستحِقُّ ما يستحِقُّه "فَعُولٌ" من الجَرْي على المذكَّر والمؤنَّث بلفظٍ واحد، وإما أن يريدَ أن "فَعِيلًا" في هذا

  1. (١) "ديوانه": (ص/٦٨).
  2. (٢) "ديوانه": (ص/ ١٨٢).
  3. (٣) كذا في الأصول، والصواب أن البيت لجميل بن معمر، انظر "ديوانه": (ص/١٤٤).
  4. (٤) "ديوان جرير": (ص/ ٣١٥)، والرواية فيه:
    دعونَ الهوى ثمَّ ارتمينَ قلوبنا .............
  5. (٥) في رسالته في تذكير (قريب) من هذه الآية، منشورة في (مجلة الإكليل، السنة السابعة ١٤٠٩) تحقيق الحموز.
886

الموضع خاصَّةً محمول على "فَعُول".

فالأوَّلُ مردودٌ؛ لإجماع أهل العربية على التزام التاء في "ظريفة وشريفة" وأشباههما وَزْنًا ودلالة، ولذلك احتاج علماؤُهم أن يقولوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، وقوله: ﴿وَلَم أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]: أن أصل "بَغُوي" على فَعول، فلذلك لم تلحقه التاءُ، ثم أُعِلَّ بإبدال الواو ياء، والضمة كسرة، فصار لفظُه كلفظ "فَعِيل"، ولو كان فَعِيلًا أصلًا للحقته التاءُ، فقيل: "لم أكُ بغيَّةً".

والثانى أيضًا مردودٌ؛ لأن لـ "فَعِيل" على "فَعُول" من المزايا ما لا يليقُ به أن يكون تَبَعًا له، بل العكس أولى أن يكونَ "فعولٌ" تبعًا لـ"فَعِيل"؛ ولأنه يتضمَّن حَمْل "فَعِيل" على "فَعُول" وهما مختلفان لفظًا ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنَّ "قريبًا" لا مُبَالغةَ فيه، لأنه يوصفُ به كلُّ ذي قُرْب وإن قلَّ، و"فَعُول" لابدّ فيه من المبالغة.

وأيضًا فإن الدَّالَّ على المبالغة لابُدَّ أن يكونَ له بِنَيَةٌ لا مبالغَةَ فيها، ثم يُقْصدُ به المبالغةَ، فتُغيَّر بنيته كـ "ضَارِب وضَرُوب، وعَالِم وعَلِيم"، و"قريبٌ" ليس كذلك، فلا مبالغةَ فيه.

وأما بيت امرئ القيس فلا حجَّة فيه لوجوه:

أحدها: أنه نادرٌ فلا حكمَ له، فلا كَثُرَتْ صُوَرُهُ، ولا جاءَ على الأصل، كـ "اسْتَحْوَذَ، واسْتَنْوق البعيرُ، وأغْيَمَتِ السَّمَاءُ، واعْوَرَّ واحْوَلَّ" وما كان كذلك فلا حكمَ له.

الثاني: أن يكونَ أراد قطيعةَ القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها تجوزُ بحذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى:

887

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي