سيبويه في قولهم: "فيها قَائِمًا رَجُلٌ"، و: "لِمَيَّة مُوحِشًا طَلَلُ"١ إلى أن جَعَل الحالَ من النكرة، ولم يجعلْها حالًا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخَّر في النية، وهو العامل فى الحال وهو منوِيٌّ٢، والحال لا يتقدَّمُ على العامل المَنْوِيِّ، فهذا كلُّه مما يبيِّنُ أن الظرفَ والمجرور ليس هو الخبرَ في الحقيقة، ولا الحاملَ للضمير، ولا العاملَ في شيءٍ من الأشياء، لا في حال ولا في ظرف ولا في فاعل.
ومن جهة المفعول أن "الدَّار" إذا انفردت بلفظها، لم يَصِحَّ أن تكون خَبَرًا عن "زيْد"، ولا عاملة ولا حاملة للضمير، وكذلك "في" و"من" وسائر حروف الجر لو انفردت لم يكن فيها شيءٌ من ذلك، فقد وضَحَ أن الخبرَ غيرُها، وأنها واقعةٌ موقِعَه، والله أعلم.
فإن قيل: فما تقول فيما حكاه الزَّجَّاجي٣ عن بعض النُّحاة أنك إذا قلت: "قَائِم زيْدٌ" أن "قائمًا" مبتدأ و"زيد" فاعل به سدَّ مسَدَّ الخبر؟.
قيل: هذا وإن كان قد جَوَّزَهُ بعضُ (ق/٢٢١ أ) النُّحاة فهو فاسدٌ في القياس؛ لأن أسمَ الفاعل اسمٌ محضٌ، واشتقاقُه من الفعل لا يوجبُ له عمل الفعل كـ "مَسْجِد ومَرْقَد ومِرْوَحَة ومِغْرَفة"، ولكن إنما يعَملُ
(١) صدر بيت منسوب لكُثَيِّر عزَّة "ديوانه": (٢/ ٢١٠)، وهو من شواهد سيبويه في "الكتاب": (٢/ ١٢٣). وعجزه: *يلوح كأنه خلل*
(٢) (ق) و"النتائج": "معنوي" وكذا ما بعدها.
(٣) في "الجمل": (ص ٤٩ - ٥٠)، وهو: عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي النحوي صاحب "الجمل" وغيره ت (٣٣٩). والزجاجي: نسبةً إلى شيخه الذي تخرج به: أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري الزجاج ت (٣٢١). انظر: "بغية الوعاة": (٢/ ٧٧)، (١/ ٤١١ - ٤١٣).
إذا تقدَّم ما يطلبُ الفعل، أو كان في موضع لا تدخلُ عليه العواملُ اللَّفظيةُ نحو: النعت والخبر والحال، فيقْوَى حينئذٍ معنى الفعل فيه، ويعضدُ هذا من السماع أنهم لم يحكوا: "قَائِمٌ الزَّيْدَانِ"، و"ذَاهِبٌ إخْوَتُكَ" عن العرب، إلاّ على الشرط الذي ذكرنا، ولو وَجَد الأخفشُ ومن قال بقوله سماعًا لاحتجُّوا به على الخليل وسيبويه، فإذا لم يكنْ مسموعًا وكان بالقياس مدفوعًا؛ فأَحْرِ به أن يكونَ باطلًا ممنوعًا!!.
فإن قلت: فما تصنعُ في قول الشاعر١:
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فلا تَكُ مُلْغِيًامَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذا الطَّيْرُ مَرَّتِ
فهذا صريح في أن "خبير" مبتدأ، و"بنو لهب" فاعل به. وفي قول الآخر٢:
قلت: أما البيتُ الأوَّلُ فعلى شذوذه ونُدْرته لا يُعْرَفُ قائلُه، ولم يُعْرَفْ أن متقدِّمي النُّحاة وأئمَّتَهم استشهدوا به، وما كان كذلك فإنه لا يُحتجُّ به باتفاق، على أنه لو صَحَّ أن قائله حُجَّةٌ عند العرب، لاحتملَ أن يكون المبتدأُ محذوفًا مضافًا إلى بني لِهْب، وأصلُه: "كُلُّ بَني لِهْبٍ خَبِيرٌ" و"كلُّ" يخبَرُ عنها بالمفرد كما تقدم في أول التعليق٣، ثم
(١) هذا الشاهد منسوب لرجلٍ من طيء ولم يُعيَّن كما ذكر المؤلف، وقد أنشده ابن هشام في عدد من كتبه، وابن عقيل في شرحه: رقم (٤٢).
(٢) هو: زهير بن مسعود الضبي. انظر: "نوادر أبي زيد": (ص / ٢١)، و"الخصائص": (١/ ٢٧٦ و٢/ ٣٧٥) وأنشده ابن عقيل في شرحه: (١/ ١٩٤).