بدائع الفوائد

حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه فاستحقَّ إعرابَه.

ويدلُّ على إرادة العموم عجزُ البيت وهو قوله:

... فلا تَكُ مُلغَيامقالةَ لِهْبِيٍّ ...

أفلا ترى كيف يُعطي هذا الكلامُ أن كلَّ واحدٍ من بني لِهْبٍ خَبِيرٌ فلا تَلْغِ مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ١.

وكذلك البيت الثاني فلا متعلّق فيه أصلًا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا وقع خَبَرًا عن غيرِه، وكان مقترِنًا بمن كان مفردًا على كلِّ حال، نحو: "الزَّيْدُونَ خَيْرٌ مِنَ العَمْرِينَ"٢.

فصل٣

إذا ثبت هذا؛ فيجوزُ في اسم الفاعل إذا اعْتُمِد على ما قبلَه، أو: كان معه قرينةٌ مقتضيةٌ للفعل وبعده اسم مرفوع وجهانِ:

أحدها: أن يكون خَبَرًا مقدَّمًا، والاسمُ بعدَهُ مبتدأٌ، وأن يكونَ مبتدأً والمرفوعُ بعدَه فاعلٌ به٤. نحو: "أَقَائِمٌ زيدٌ"، و"ما قَائِمٌ عَمْروٌ" ونحوه، إلا أن يمنعَ مانعٌ من ذلك، وذلك في ثلاث مسائل:

أحدها: قولك: "زَيْدٌ قَائِمٌ أَخوَاهُ" فإنَّ هذا يتعيَّنُ فيه أن يكونَ

  1. (١) وأجاب ابن هشام في "شرح القطر": (ص / ٢٧٣) بأنّا نحمله على التقديم والتأخير، فـ "بنو لهب" مبتدأ، و"خبير" خبره؛ لأن فعيلًا قد يستعمل للجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
  2. (٢) وانظر ما أجاب به في "مغني اللبيب": (١/ ٢١٩).
  3. (٣) ليست في (ق)، وانظر "نتائج الفكر": (ص/٤٢٥ - ٤٢٦) مع زيادات هنا مهمة.
  4. (٤) من (ق).
900

"أَخَوَاهُ" فاعلًا بِـ "قَائِم"، ولا يجوزُ أن يكون "أخواه" مبتدأً و"قائم" الخبر؛ لعدم المطابقة.

الثانية: قولُك: "زَيْدٌ قَائِمَانِ أَخَوَاهُ"، فإنَّ هذا يتعتَّنُ فيه على الأفصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، ولو كان من باب الفعل والفاعل لقلت: "قَائِم أَخَوَاهُ" كما تقول: "قَامَ أَخوَاهُ".

الثالثة: قولك: "زَيْدٌ قَائِمٌ أنْتَ إليه"، و"زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ" إذا كان الفاعلُ ضميرًا منفصلًا، فإنَّ هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرًا؛ لأن الضميرَ المنفصلَ لا يكونُ فاعلًا مع اتِّصاله بعامله، إنما يكون فاعلًا إذا لم يمكن اتِّصاله نحو: "ما قَائِمٌ١ إلا أنْتَ" ونحو: "الضَّارِبُهُ هو".

فإذا عرفتَ هذا؛ فقوله ﷺ في حديث المبعث: "أَوَ مُخْرجِيَّ هُم"٢؛ "مُخْرِجِيَّ" يتعينُ أن يكون خبرًا مقدَّمًا، و"هم" مبتدأ٣؛ لأنَّ الرواية اتَّفَقَتْ على تشديد "مُخْرِجِيَّ"٤ وكان أصلَه: "مُخْرِجُونَ لِي" فحذف اللام وأُضيف "مُخْرِجُونَ" إلى الياء، فسقطت نون الجمع؛ لأنها تسقط للإضافة فصار: "مُخْرِجُوْي"٥، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكنٌ، فقُلِبَت الواو ياءً فصار٦ مِثْلان، فأُدْغِم أحدهما في الآخر فجاء: "مُخْرِجِيَّ".

ومثله: "ضَارِبيَّ ومُكْرِميَّ"، ولو أن الصِّفَةُ هاهنا رافعةٌ للضمير

  1. (١) (ع وق): "قام".
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٣)، ومسلم رقم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
  3. (٣) وانظر "فتح الباري": (١/ ٣٦).
  4. (٤) من قوله: "هم، مخرجيّ ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
  5. (٥) (ع): "مخرجون لي" و(ق): "مخرجوني" وكلاهما تحريف.
  6. (٦) (ق): "فصارا".
901

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي