"أَخَوَاهُ" فاعلًا بِـ "قَائِم"، ولا يجوزُ أن يكون "أخواه" مبتدأً و"قائم" الخبر؛ لعدم المطابقة.
الثانية: قولُك: "زَيْدٌ قَائِمَانِ أَخَوَاهُ"، فإنَّ هذا يتعتَّنُ فيه على الأفصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، ولو كان من باب الفعل والفاعل لقلت: "قَائِم أَخَوَاهُ" كما تقول: "قَامَ أَخوَاهُ".
الثالثة: قولك: "زَيْدٌ قَائِمٌ أنْتَ إليه"، و"زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ" إذا كان الفاعلُ ضميرًا منفصلًا، فإنَّ هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرًا؛ لأن الضميرَ المنفصلَ لا يكونُ فاعلًا مع اتِّصاله بعامله، إنما يكون فاعلًا إذا لم يمكن اتِّصاله نحو: "ما قَائِمٌ١ إلا أنْتَ" ونحو: "الضَّارِبُهُ هو".
فإذا عرفتَ هذا؛ فقوله ﷺ في حديث المبعث: "أَوَ مُخْرجِيَّ هُم"٢؛ "مُخْرِجِيَّ" يتعينُ أن يكون خبرًا مقدَّمًا، و"هم" مبتدأ٣؛ لأنَّ الرواية اتَّفَقَتْ على تشديد "مُخْرِجِيَّ"٤ وكان أصلَه: "مُخْرِجُونَ لِي" فحذف اللام وأُضيف "مُخْرِجُونَ" إلى الياء، فسقطت نون الجمع؛ لأنها تسقط للإضافة فصار: "مُخْرِجُوْي"٥، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكنٌ، فقُلِبَت الواو ياءً فصار٦ مِثْلان، فأُدْغِم أحدهما في الآخر فجاء: "مُخْرِجِيَّ".
ومثله: "ضَارِبيَّ ومُكْرِميَّ"، ولو أن الصِّفَةُ هاهنا رافعةٌ للضمير
(١) (ع وق): "قام".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣)، ومسلم رقم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
(٣) وانظر "فتح الباري": (١/ ٣٦).
(٤) من قوله: "هم، مخرجيّ ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
لكانت مفردةً، وكان يُقَالُ: "أو مُخْرِجيْ هُم"؟ بالتخفيف، كما تقول: "أَضَاربِي إِخْوَتُكَ"؟ ولو جعلتَه مبتدأً وخَبرًا لقلت: "أَضَارِبيَّ" بالتشديد، والله أعلم.
فإن قلت: "ما هُم بمُخْرِجيَّ" تعيَّن التشديد ليس إلا؛ لأن الفاعل لا يتقدَّمُ، فلو خفَّفْتَ لكانت المسألة في باب الفعل والفاعل. والفاعلُ لا يتقدَّمُ عاملَه، كان أخَّرْتَ الضميرَ جاز لك الوجهانِ كما تقدم.
فصل١
قولهم: "ظروفُ الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث"٢ ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل يُعْرَف من العلة في منع ذلك، والعلَّةُ: أن الزمان لما كان عبارة عن أوقات الحوادث، وكانوا محتاجينَ إلى تقييد حوادثهم وتأريخها بأزمنة تقارنُها معلومة عند المتكلِّم والمخاطب، كما يقدرونها بالأماكن التي تقعُ فيها، جعل٣ اللهُ ﷾ حَرَكات الشَّمس والقمر، وما يحدثُ بسببهما من الليل والنَّهار والشهور والأعوام، معيارًا يَعْلَم به العِبَادُ مقاديرَ حوادثِ أفعالها وتأريخها ومعيارها، لشدَّة حاجتهم إلى ذلك في الآجال، كالعِدَد والإجارات والسَّلَم والديون المؤجَّلة، ومعرفة مواقيت الحجِّ والصِّيام وغيرها، فصارت حركةُ الشمس والقمر تأريخًا وتقييدًا ومعيارًا للأفعال والحياة والموت والمولد، وغير ذلك.
فالزمانُ إذًا عبارةٌ عن مقارنة حادثٍ لحادث، مقارنة الحادث
(١) ليست في (ظ)، و(ق): "فائدة". وانظر: "نتائج الفكر": (ص/٤٢٦ - ٤٢٨).