المؤقَّت، فلا تقول: "نَحْنُ في يَوْم السَّبْتِ" وإن صحَّ أن تقول: "نحن في المِائَةِ الثَّامِنَةِ" ولا تقول: "الَحجَّاجُ في يوم الخَمِيسِ" وتقول: "الحجَّاجُ في زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ" والله أعلم.
فصلٌ١
قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦﴾[البقرة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾[المنافقون: ٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ١٩٣﴾[الأعراف: ١٩٣] مما أشكل إعرابُه على فحول العربية، واختلفت أقوالهم في ذلك.
فقال صاحب "الكشاف"٢: "سواء اسم بمعنى الاستواء، وُصِف به كما يوصفُ بالمصادر، ومنه قوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكم﴾[آل عمران: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ١٠﴾[فصلت: ١٠] بمعنى: مُسْتَوِيَةٌ، وارتفاعُه على أنه خبرٌ لـ "إِنَّ" و"أَنْذَرْتَهُمْ أم لم تُنْذِرْهُم" في موضع رفع٣ على الفاعلية، كأنَّه قيل: "إنَّ الذين كفروا مُسْتَوٍ عليهم إنذارُك وعَدَمُهُ"، كما تقول: "إنَّ زيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابنُ عَمِّهِ"، أو٤ يكون: "أنْذَرْتَهم أم لم تُنْذِرْهم" في موضع الابتداء، و"سواءٌ" خبرًا مقدَّمًا، بمعنى: "سواء عليهم إنذارك وعدمه"، والجملةُ خبر لـ"إنَّ".
(١) ليست في (ظ)، و(ق): "فائدة" بدلًا من "قوله ﷿"، وانظر: "نتائج الفكر": (ص/ ٤٢٨ - وما بعدها).
(٢) (١/ ٢٥ - ٢٦).
(٣) في "الكشاف": "المرتفع به".
(٤) في الأصول: "و" والمثبت من "الكشاف".
قال: "فإن قلتَ: الفعلُ أبدًا خبرٌ لا مخبَرٌ عنه، فكيف صحَّ الإخبارُ عنه في هذا الكلام؟.
قلتُ: هو من جنس الكلامِ المهجورِ فيه جانبُ اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلَونَ في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلًا بيِّنًا، من ذلك قولهم: "لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ" معناه: لا يكنْ منكَ أكلُ السمكِ وشربُ اللَبن، وإن كان ظاهرُ اللفظ على ما لا يَصحُّ من عَطْفِ الاسم على الفعل، و"الهمزة وأَمْ" مجردتان بمعنى١ الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسًا.
قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام، كما جرى على حرف النِّداء في قولك: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا أَيَّتُها العِصَابَة"، يعني: أن هذا جرى على صُورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على سورة النِّداء ولا نداء، ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المُستفهم عنهما؛ لأنه قد عَلِمَ أن أحد (ظ / ١٦٢ أ) الأمرين كائنٌ؛ إما الإنذارُ وإما عدمُهُ، ولكن لا بعينه، وكلاهما معلومٌ بعلم غير معيَّن.
قلت: هذا قولُه وقولُ طائفة من النحاة، وقد اعْتُرِض على ما ذكره بأنه يلزمُ القائل به أن يجيز: "سَوَاءٌ أَقُمْتَ أم قَعَدْتَ" دون أن تقول: "عَلَيَّ أو عَلَيْكَ"، وأنه يجيزُ: "سِيَّانِ أَذَهَبَ زَيْدٌ أمْ جَلَسَ" و"متفقان أقَامَ زَيْدٌ أم (ق/٢٢٣ أ)، قَعَدَ"، وما كان نَحْوَ هذا مما لا يجوزُ في الكلام ولا روي عن أحد؛ لأن التقدير الذي قدَّروه منطبقٌ على هذا.