بدائع الفوائد

في موضع الخبر، وإنما قالوا هذا، وإن كان "سواء" نَكِرةً؛ لأن الجُمَل لا تكون في موضع المبتدإ أبدًا، ولا في موضع الفاعلِ، وأُوْرِد عليهم: أن الجملةَ إذا وقعتْ خبرًا فلابُدَّ فيها من ضَمير يعودُ على المبتدأ، فأين الضمير العائد على "سواء" هاهنا؟ فأجابوا عن هذا: بأنَّ "سَوَاءٌ" وإن كان مبتدأً في اللّفظِ فهو في المعنى خبرٌ؛ لأن المعنى: "سَوَاءٌ عَلَيْهم الإنْذَار وتركُهُ"، قالوا: ولا يلزمُ أن يعودَ من المبتدأ ضميرٌ على الخبر، فلما كان "سواءٌ" خبرًا في المعنى دون اللفظ رُوْعي المعنى.

ونظير هذا قولهم: "ضَرْبي زَيْدًا قائِمًا"، فإنه لم يعُدْ على "ضربي" ضميرٌ من الحال التي سدَّت مَسَدَّ الخبر؛ لأنّ معناه: "أَضْرِبُ زَيْدًا أو ضَرَبْتُ زَيْدًا" والفعلُ لا يعودُ عليه ضميرٌ، فكذلك ما هو في معناه وقوَّته.

ونظيره أيضًا: "أقائم أَخُوكَ"؛ لأن: "أخوك" وإن سدَّ مسَدَّ الخبر، فإنه فاعلٌ في المعنى، و"قائِمٌ" معناه معنى الفعل الرافع للفاعل١، فرُوْعيت هذه المعانى في هذه المواضع وهُجِر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وبقي حكم الابتداء مقتضيًا للرَّفع لفظًا، والمبتدأ متضمِّنٌ لمعنى يخالف معنى الابتداء، فحُكم لذلك المعنى فلم يعُدْ على اللفظ ضمير، وحُكِم للفظ المبتدأ بحكم الابتداء فارتفع.

فهذا قول هذه الطائفة الأخرى، واعترض عليه -بعد الاعتراف بحُسْنه وقوَّته-: بأن العرب لم تَنْطِقْ بمثل هذا في "سواء" حتى قَرَنَتْهُ بالضمير المجرور بـ "على" نحو: "سَوَاءٌ علَيْهم وسَوَاءٌ عليكم وسواء

  1. (١) (ع وق): "للفعل".
907

عَلَيَّ" فإن طَرَدوا ما أصَّلوه في "سَوَاء"، سواء١ قُرِن بـ "على" أم لم يُقْرَن فليس كذلك، وإن خصُّوه بالمقرون بـ "على" فلم يُبَيِّنُوا سِرَّ اختصاصه بذلك.

وقالت طائفةٌ ثالثةٌ -منهم السُّهَيْليُّ٢ وهذا لفظُه-: "لما كانتِ العربُ لا تقول: "سِيَّانِ أَقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ" ولا: "مِثْلانِ" ولا "شِبْهَان"، ولا يقولون ذلك إلا في "سواء" مع المجرور بـ"عَلَى" وجبَ البحثُ عن السِّرِّ في ذلك وعن مقصد القوم في هذا الكلام، وعن المُساواة بَيْنَ أيِّ شيءٍ هي؟ وفي أيِّ الصِّفات هي من الاسمين الموصوفين بالتَّساوي؟ فوجدنا معنى الكلام ومقصودَهُ إنما هو تَسَاوٍ في عدم المبالاة بقيامٍ أو قعود إو إنذار أو ترك إنذار، ولو أرادوا المساواةَ في صِفَة موجودةً في الذات لقالوا: "سَوَاءٌ الإقَامَة والشُّخُوصُ" كما يقولون: "سَوَاءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو"، و"سِيَّانِ" و"مِثْلانِ" يعني (ق/٢٢٣ ب) استهواءَهما في صفة لذاتهما، فإذا أردتَ أن تسوِّيَ بين أمرين في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما، وأنهما قد هانا عليك، وخفَّا عليك٣، قلت: "سَوَاءٌ عَلَيَّ أَفَعَلَ أمْ لم يَفْعَلْ"، كما تقول: "لا أُبَالِي أَفَعَلَ أمْ لم يَفْعَلْ"؛ لأن المبالاة فعل من أفعال القلب، وأفعال القلب تُلْغَى إذا وقعتْ بعدها الجملُ المستفْهَم عنها أو المؤكَّدة باللام، تقول: "لا أَدْرِي أَقَامَ زَيْدٌ أمْ قَعَد"، و"قَدْ عَلِمْتُ لَيَقُومَنَّ زيْدٌ"، ولكن لا تُلْغى هذه الأفعال القلبية حتى يُذْكَر فاعلها في اللفظ أو في المعنى، فتكون حينئذٍ في موضع المفعول بالعلم.

  1. (١) من (ظ).
  2. (٢) في "نتائج الفكر" كما تقدم.
  3. (٣) "وخفا عليك" سقطت من (ق).
908

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي