اللفظ، فحكيت الكلام كما كان، ليعلم المخاطب أنّ ما كان مستفهَمًا عنه معلومٌ، كما تقول: "قَامَ زَيْدٌ" فترفعه لأنه فاعل، ثم تقول: "ما قَامَ زَيْدٌ" فيبقى الكلامُ كما كان١، وتبقى الجملة محكيَّةً على لفظها لتدُلَّ على أنَّ٢ ما كان خبرًا متوهَّمًا عند المخاطب فهو الذي نفي بحرف النفي، ولهذا نظائرُ يطولُ ذكرُها.
فكذلك قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾[البقرة: ٦]، لما لم يُبالوا بالإنذار ولا نفعهم، ولا دخل في قلوبهم منه شيءٌ صار في حكم المستفهَمْ عنه، أكان أم لم يكن، فلا تسمَّى الألفُ ألفَ التَّسوية كما فعل بعضُهم، ولكن ألف الاستفهام، بالمعنى الذي وضعتْ له ولم تَزُل عنه".
ثم قال٣ "فإن قيل: فلمَ جاء بلفظ الماضي (ق/٢٢٤ ب) أعني ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وكذلك ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ١٩٣﴾[الأعراف: ١٩٣]، و"أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ قَعَدَ"؟ ولم يجيءْ بلفظ الحال ولا المستقبل؟.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أن في الكلام معنى الشرط، والشرطُ يقعُ [بعده]٤.
المستقبل بلفظ الماضي، تقول: "إنْ قَامَ زَيْدٌ غَدًا قُمْتُ"، وها هنا يتقدَّر ذلك المعنى، كأنك قلت: "إنْ قَامَ زيدٌ أو قعدَ لم أبالِهِ"
(١) من قوله: "ليعلم المخاطب ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
(٢) في الأصول: "أنه" والتصويب من "النتائج".
(٣) في "النتائج" هنا: "فصلٌ".
(٤) الأصول: "بعد".
و"لا ينتفعُ القوم إنْ أنذرتَهم أم لم تُنْذِرْهم" فلذلك جاءَ بلفظ الماضي.
وقد قال الفارسيُّ قولًا غير هذا١؛ ولكنه قريبٌ منه في اللَّفظ، قال: إن ألف الاستفهام تضارعُ "إن" التي للجزاء؛ لأن الاستفهامَ غيرُ واجب، كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عُدِمَ المشروطُ، وهذه العبارة فاسدةٌ من وجوه يطولُ ذكرها، ولو رأى المعنى الذي قدمناه لكان أشبَهَ.
على أنه عندي مدخول أيضًا؛ لأن معنى الشرط يطلب الاستقبال خاصَّة دونَ الحال والماضي، وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهمْ﴾، و﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ لا تختصُّ بالاستقبال، بل المساواة في عدم المبالاة موجودةٌ في كلِّ حال، بل هي أظهرُ في فعل الحال، ولا يقعُ بعد حرف الشرط فعل حالٍ بوجه.
والتحقيقُ في الجواب أن نقولَ: قد أَصَّلنا في "نتائج الفكر"٢ أصلًا، وهو أن الفعل لم يُشْتَقَّ من المصدر مضافًا إلا ليدُلَّ على كون الاسم مخبَرًا عنه -أعني الفاعل الذي كان المصدرُ مضافًا إليه- ولم٣ تختلف أبنيتُه بعدما اشتقَّ عن المصدر إلا لاختلاف أحوال الحَدَث عن مُضِيٍّ أو استقبال، فإن كان قصدُ المتكلِّم أن لا يُقَيِّدُ الحَدَثَ بزمان دونَ زمان، ولا بحالِ استقبال دونَ حالِ مُضِي فليجعلُه٤ مطلقًا بلفظ الماضي الذي لا زوائدَ فيه، ليكونَ أخَفَّ على اللسان وأقربَ إلى لفظ الحَدَث المشتقِّ منه، ألا ترى أنهم يقولون: "لا أَفْعَلُهُ ما لاحَ بَرْقٌ وما طَارَ طَائِرٌ"، بلفظ الماضي خاصَّة لما أرادوا مدَّةً مطلقة غيرَ
(١) انظر "الحجة": (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) للفارسي.
(٢) انظر المسألة رقم (١٠) في "النتائج": (ص/ ٦٦).
(٣) في الأصول: "لم" بدون الواو، والمثبت عن "النتائج".