مدارج السالكين

يخاف سقوطَه من عينه، وطردَ محبوبه له وإبعادَه، واحتجابَه عنه؛ فخوفُه أشدُّ خوفٍ.

ورجاؤه لمحبوبه ذاتيٌّ للمحبَّة، فإنَّه يرجوه قبل لقائه والوصولِ إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتدَّ الرجاء له لِما يحصل به١ حياةُ روحه ونعيمُ قلبه من ألطاف محبوبه، وبرِّه وإقبالِه عليه، ونظرِه إليه بعين الرِّضا، وتأهيلِه لمحبَّته، وغيرِ ذلك ممَّا لا حياة للمحبِّ ولا نعيمَ ولا فوزَ إلا بوصوله إليه من محبوبه؛ فرجاؤه أعظم رجاءٍ وأجلُّه وأتمُّه.

فتأمَّل هذا الموضع حقَّ التّأمُّل يُطلعْك على أسرارٍ عظيمةٍ من أسرار العبودية والمحبة، فكلُّ محبة فهي مصحوبةٌ بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكُّنها من قلب المحبِّ يشتدُّ خوفه ورجاؤه. لكنَّ خوف المحبِّ لا تصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحبِّ لا تصحبه علَّةٌ بخلاف رجاء الأجير، فأين رجاء المحبِّ من رجاء الأجير؟ بينهما كما بين حالَيهما.

وبالجملة: فالرجاء ضروريٌّ للمريد والسالك والعارف، ولو فارقه لحظةً لتلف أو كاد، فإنَّه دائرٌ بين ذنبٍ يرجو غفرانه، وعيبٍ يرجو صلاحه٢، وعملٍ صالحٍ يرجو قبوله، واستقامةٍ يرجو حصولها أو دوامها، وقربٍ من الله ومنزلةٍ عنده يرجو وصوله إليها؛ ولا ينفكُّ أحدٌ من السالكين عن هذه الأمور أو عن بعضها، فكيف يكون الرجاء مِن أضعف منازله وهذا حاله؟

  1. (١) في ش زيادة: «مِن».
  2. (٢) ع: «إصلاحه».
269

وأمّا حديث المعارضة والاعتراض فباطل، فإنَّ الراجي ليس معارضًا١ ولا معترضًا، بل راغبًا راهبًا مؤمِّلًا لفضل ربِّه، مُحسنَ٢ الظنِّ به، متعلِّقَ الأمل ببرِّه وجوده، عابدًا له باسمه المحسن، البَرِّ، المعطي، الحليم، الغفور، العفو، الجواد، الوهَّاب، الرزاق. والله يحبُّ من عبده أن يرجوه، ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنِّه به.

والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربِّه، بل هو من أقوى الأسباب. ولو تضمَّن معارضةً واعتراضًا لكان ذلك في الدُّعاء والمسألة أولى، فكان دعاء العبد ربَّه وسؤالُه أن يهديه ويوفِّقه ويسدِّده ويعينه على طاعته ويجنِّبه معصيته ويغفر ذنوبَه ويدخله الجنة وينجيه من النار= معارضةً واعتراضًا، لأنَّ الداعي راجٍ وطالبٌ، فمعه رجاء وطلب ما يرجوه، فهو أولى حينئذٍ بالمعارضة والاعتراض.

والذي أوجب للشيخ هذا القَدْرَ الاسترسالُ في القَدَر والفناءُ في شهود الحقيقة الكونية، فإنَّه من الراسخين فيه، الذين لا يأخذهم فيه لومة لائمٍ. وهو شديدٌ في إنكار الأسباب. وهذا موضعٌ زلَّت فيه أقدام أئمَّةٍ أعلام. ولولا أنَّ حقَّ الحقِّ أوجب من حقِّ الخلق لكان في الإمساك فسحةٌ ومتَّسع.

وليس في الرجاء ولا في الدُّعاء معارضةٌ لتصرُّف المالك في ملكه، فإنَّه إنما يرجو تصرُّفه في ملكه أيضًا بما هو أحبُّ الأمرين إليه، فإنَّ الفضل أحبُّ إليه من العدل، والعفو أحبُّ إليه٣ من الانتقام، والمسامحة أحبُّ إليه من

  1. (١) في ع زيادة: «ولا متعرِّضًا».
  2. (٢) ع: «حسن».
  3. (٣) «فإن الفضل ... أحبُّ إليه» من ع، ولا بد منه لاستقامة السياق، ولعله سقط من الأصل وغيره لانتقال النظر. والسياق في ج، ن: «بما هو أحبُّ الأمرين إليه من الانتقام والمسامحةِ، والمسامحةُ ...»
270

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي