وأمَّا رضاه بمراده منه وإن كان عذابَه، فهذا هو الرُّعونة كلُّ الرُّعونة، فإنَّ مراده سبحانه نوعان:
- مرادٌ يحبُّه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه، فموافقته في هذا المراد هي عين محبَّته، وإرادةُ خلافه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ.
- ومرادٌ يبغضه ويكرهه ويمقت٢ فاعلَه ويعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقَّته ومعاداته ومخالفته والتعرُّضِ لمقته وسخطه. فهذا الموضع موضع فرقانٍ، فالموافقة كلُّ الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضُه بالدفع والردِّ بالمراد الآخر. فالعبودية الحقُّ: معارضةُ مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه. فاستسلامه لهذا المراد المكروهِ المسخوطِ وما يوجبه ويقتضيه عينُ الرُّعونة والخروجُ عن العبودية.
وهو عين الدعوى الكاذبة، إذ لو كان مصدرُ ذلك الاستسلامَ والموافقةَ وتركَ الاعتراضِ والمعارضةِ لكان ذلك مخصوصًا بمحابِّه ومراضيه وأوامره التي الاستسلامُ لها والموافقةُ فيها وتركُ معارضتها والاعتراضِ عليها هو عين المحبة والموالاة.
وأمَّا الفناء بمراد ربِّه عن مراده، فقد تقدَّم أنَّ المحمود من ذلك: الفناءُ بمراده الدينيِّ الأمريِّ، لا الكونيِّ القدريِّ، فإنَّ الكون كلَّه مرادُه القدريُّ خيره وشرُّه.
وأمَّا تعلُّق الرجاء بمراده دون مراد سيِّده، فهو إنَّما علَّقه بمراده المحبوب له، هاربًا من مراده المسخوط المكروه له. وعلى تقدير أن يكون محبوبًا له إذا كان انتقامًا، فالعفو والفضل أحبُّ إليه منه؛ فهو إنَّما علَّق رجاءه بأحبِّ المرادين إليه.
وأمَّا كون الرجاء اعتراضًا على ما سبق به الحكم، فليس كذلك، بل تعلُّقًا بما سبق به الحكم، فإنَّه إنَّما يرجو فضلًا وإحسانًا ورحمةً سبق بها القضاء والقدر وجُعل الرجاءُ أحدَ أسباب حصولها، فليس الرجاء اعتراضًا على القدر ولا معارضةً للقدر، بل طلبًا لما سبق به القدر.
وأمَّا اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوُّه فهذا نقصٌ في العبودية وجهلٌ بحقِّ الرُّبوبيَّة، فإنَّ الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلًا لا يستحقُّه ولا يستوجبه بمعاوضةٍ، فإن أُعطيه١ فمحض المنَّة٢ والصدقة عليه، وإن منعه فلم يمنع حقًّا هو له، فاعتراضه رعونة وجهالة. ولا يلزم من فوات المرجوِّ وعدمِ حصول المدعوِّ به في حقِّ العبد الصَّادقِ معارضةٌ ولا اعتراض. وقد سأل رسول الله ﷺ ربَّه ثلاث خصالٍ لأمَّته، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدةً، فرضي بما أعطاه ولم يعترض فيما منعه، بل رضي وسلَّم٣.
وأمَّا كون الرجاء وقوفًا مع الحظِّ، فأصحابُ هذه الطريق قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظِهم٤؟ فيا لله العجب! أيُّ رعونةٍ فيمن يجعل رجاءَ
(١) ع: «أعطاه».
(٢) الأصل: «المشيئة». ولعل المثبت من سائر النسخ هو الصواب.
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٩٠) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٤) أي: فكيف عن حظوظهم، أو بحظوظهم؟ على غرار قول المؤلف الآتي (ص ٣٠٥): «فكيف بحال المريدين؟ فكيف العارفين».