العبد ربَّه، وطمعَه في برِّه وإحسانه وفضله، وسؤالَه ذلك بقلبه ولسانه؟!١ فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه، فإذا كان العبد دائمًا مستشرفًا بقلبه، سائلًا بلسانه، طالبًا لفضل ربِّه، فأيُّ رعونةٍ هاهنا؟ وهل الرُّعونة كلُّ الرُّعونة إلا خلاف ذلك؟
ومن العجب دعواهم خروجَهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادةً لنفوسهم! وليس الخارج عن نفسه إلَّا من جعلها حبسًا على مراد الله الدينيِّ الأمريِّ النبويِّ، وبذلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزِّقون أديمه ويرمونه بالعظائم ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلَّبون دمَه٢ بجهدهم٣، لا يأخذه في جهادهم في الله لومةُ لائمٍ، يصدع بالحقِّ عند من يخافه ويرجوه، قد زهد في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه، يصيح فيهم بالنصائح جهارًا، ويعلن لهم بها ويسرُّ لهم إسرارًا. وقد تجرَّد عن الأوضاع والقيود والرُّسوم، وتعلَّق بمراضي الحيِّ القيُّوم؛ مقامه ساعةً في جهاد أعداء الله، ورباطُه ليلةً على ثغر الإيمان= آثر عنده وأحبُّ إليه من فناءٍ ومشاهداتٍ وأحوالٍ هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفرُ حظِّها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظِّها!٤ ولعلَّه قد خرج عن مراد ربِّه من عبوديَّته إلى
(١) كذا العبارة في الأصل، ينقصها المفعول الثاني لـ «يجعل». ولو كان السياق: «أيُّ رعونة في رجاء العبد ربَّه ...» لاستقام.
(٢) ع: «دينه»، تصحيف.
(٣) في ع زيادة: «وحدّهم وحديدهم».
(٤) انظر التعليق على مثله في الصفحة السابقة.
عينِ مرادِه هو وحظِّه١، ولو فتَّش نفسه لرأى ذلك فيها عيانًا.
وهل الرُّعونة كلُّ الرُّعونة إلا دعواه أنه يحبُّ ربَّه لعذابه لا لثوابه، وأنَّه إذا أحبَّه وأطاعه للثواب كان ذلك حظًّا وإيثارًا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبَّه وأطاعه ليعذِّبه فإنَّه لا حظَّ للنفس في ذلك. فوالله ليس في أنواع الرُّعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج! وماذا يلعب الشيطان بالنُّفوس؟! وإنَّ نفسًا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة.
فنزِّل أحوال الأنبياء والرُّسل والصدِّيقين وسؤالَهم ربَّهم على أحوال هؤلاء الغالطين٢، ثمَّ قايس بينهما وانظر التفاوت. فأين هذا من دعاء النبيِّ ﷺ: «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»٣ وقولِه لعمِّه: «يا عبَّاسُ، يا عمَّ رسول الله، سل الله العافية»٤، وقولِه للصدِّيق الأكبر وقد سأله أن يعلِّمه دعاءً يدعو به في صلاته: «قل: اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم»٥، وقولِه
(١) ع: «هو حظُّه»، سقطت واو العطف.
(٢) في ع زيادة: «الذين مرجت بهم نفوسهم».
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٦) وأبو داود (٨٧٩) ــ واللفظ له ــ من حديث أبي هريرة عن عائشة ﵄.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٦٦، ١٧٨٣) والبخاري في «أدب المفرد» (٧٢٦) والترمذي (٣٥١٤) وابن حبان (٩٥١) والحاكم (١/ ٥٢٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٣٧٨ - ٣٨٠) من طرق يعضد بعضها بعضًا من حديث العباس. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
(٥) أخرجه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥) من حديث عبد الله بن عمرو عن أبي بكر.