عينِ مرادِه هو وحظِّه١، ولو فتَّش نفسه لرأى ذلك فيها عيانًا.
وهل الرُّعونة كلُّ الرُّعونة إلا دعواه أنه يحبُّ ربَّه لعذابه لا لثوابه، وأنَّه إذا أحبَّه وأطاعه للثواب كان ذلك حظًّا وإيثارًا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبَّه وأطاعه ليعذِّبه فإنَّه لا حظَّ للنفس في ذلك. فوالله ليس في أنواع الرُّعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج! وماذا يلعب الشيطان بالنُّفوس؟! وإنَّ نفسًا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة.
فنزِّل أحوال الأنبياء والرُّسل والصدِّيقين وسؤالَهم ربَّهم على أحوال هؤلاء الغالطين٢، ثمَّ قايس بينهما وانظر التفاوت. فأين هذا من دعاء النبيِّ ﷺ: «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»٣ وقولِه لعمِّه: «يا عبَّاسُ، يا عمَّ رسول الله، سل الله العافية»٤، وقولِه للصدِّيق الأكبر وقد سأله أن يعلِّمه دعاءً يدعو به في صلاته: «قل: اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم»٥، وقولِه
(١) ع: «هو حظُّه»، سقطت واو العطف.
(٢) في ع زيادة: «الذين مرجت بهم نفوسهم».
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٦) وأبو داود (٨٧٩) ــ واللفظ له ــ من حديث أبي هريرة عن عائشة ﵄.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٦٦، ١٧٨٣) والبخاري في «أدب المفرد» (٧٢٦) والترمذي (٣٥١٤) وابن حبان (٩٥١) والحاكم (١/ ٥٢٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٣٧٨ - ٣٨٠) من طرق يعضد بعضها بعضًا من حديث العباس. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
(٥) أخرجه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥) من حديث عبد الله بن عمرو عن أبي بكر.
لصدِّيقة النساء وقد سألَتْه دعاءً تدعو به إن١ وافقت ليلة القدر فقال: «قولي: اللهم إنك عفوٌ تحبُّ العفو فاعف عنِّي»٢، وقولِه في دعائه الذي كان لا يدعه، وإن دعا بدعاءٍ أردفه به٣:
«ربنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النّار»٤.
وقد أثنى تعالى على خاصَّته٥ أولي الألباب٦ بأنَّهم سألوه أن يقيهم عذاب النار، فقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[آل عمران: ١٩١].
وقال لأمِّ حبيبة ﵂: «لو سألتِ الله أن يُجيرَكِ من عذاب النار لكان خيرًا لك»٧.
(١) في ع زيادة: «هي».
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٣٨٤) والترمذي (٣٥١٣) والنسائي في «الكبرى» (٧٦٦٥) والحاكم (١/ ٥٣٠) من حديث ابن بريدة عن عائشة. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقد اُعِلَّ بالإرسال فإن الدارقطني قال في «سننه» (٣٥٥٧) عقب حديث آخر رواه ابن بريدة عن عائشة: «ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا».
(٣) ع: «إياه» ..
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٨٩) ومسلم (٢٦٩٠) من حديث أنس أنه كان أكثرَ دعاء النبي ﷺ، وزاد مسلم: «وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوةٍ دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه». وعليه فقول المؤلف: «وإن دعا بدعاءٍ أردفه به» إنما هو من فعل أنس موقوفًا عليه، ولم أجده مرفوعًا إلى النبي ﷺ.