مدارج السالكين

وكان يستعيذ كثيرًا من عذاب النار وعذاب القبر. وأمر المسلمين أن يستعيذوا في تشهُّدهم من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال١؛ حتّى قيل إنَّ هذا الدُّعاء واجبٌ في الصلاة، لا تصحُّ إلا به٢.

وهذا أعظم من أن نستقصيه. ودخل رسول الله ﷺ على مريضٍ يعوده فرآه مثل الفرخ، فقال: «ما كنت تدعو به؟» فقال: كنت أقول: اللهمَّ ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعاقِبْني به في الدُّنيا، فقال: «سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك، ألا سألت الله العفو والعافية؟»٣.

وفي «المسند»٤ عنه: «ما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه من سؤال العفو والعافية».

وقال لبعض أصحابه: «ما تقول إذا صلَّيت؟» فقال: أسأل الله الجنَّة وأعوذ به من النار، أما إنِّي لا أحسن دندنتَك، ولا دندنةَ معاذٍ، فقال رسول الله

  1. (١) كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (٥٨٨). وأخرج أيضًا (٥٩٠) من حديث طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن.
  2. (٢) هو قول طاوس، علَّقه عنه مسلم عقب الحديث السابق، ووصله عبد الرزاق في «مصنفه» (٣٠٨٧).
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٦٨٨) من حديث أنس، ولفظه: «أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
  4. (٤) لم أجده فيه، وإنما أخرجه الترمذي (٣٥٤٨)، وإليه عزاه المؤلف فيما سيأتي (ص ٥٨١ - ٥٨٢)، وإسناده ضعيف كما سيأتي بيانه ثَمَّ.
278

ﷺ: «١ حولها ندندن»٢.

فأين هذا من حال من قال: لا أحبُّك لثوابك لأنَّه عين حظِّي، وإنَّما أحبُّك لعقابك لأنَّه لا حظَّ لي فيه، والرجاء عين الحظِّ، ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء؟

فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيه: إنَّه شطح قد يُعذَر فيه صاحبُه إذا كان مغلوبًا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تُهدَر محاسنُه ومعاملاته وأحواله وزهده. ولكنَّ الذي ننكر كونُ هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العَليَّة التي يتعاطاها العبد ويشمِّر إليها، فهذا الذي لا تُلبَس٣ عليه الثِّياب ولا تَصبر عليه نفوسُ العلماء، وحاشا سادات القوم وأئمَّتهم من هذه الرُّعونات، بل هم أبعد الناس منها.

نعم، قد يعرض لأحدهم حالٌ يحدِّث نفسَه بأنَّه لو عذَّبه لكان راضيًا بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه، ويعزم على ذلك بقلبه، ولكن هذا عزمٌ وأمنية، وعند الحقيقة لا يكون لذلك٤ أثرٌ البتَّة، ولو امتحنه بأدنى محنةٍ

  1. (١) في ع زيادة: «إنَّا».
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٥٨٩٨) وأبو داود (٧٩٢) وابن ماجه (٩١٠) وابن خزيمة (٧٢٥) وابن حبان (٨٦٨) بإسناد صحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وفي بعض الروايات أنه أبو هريرة، ورواية الإبهام أصح. انظر: «العلل» للدارقطني (١٩٤٤).
  3. (٣) ع: «تلتبس».
  4. (٤) م: «كذلك ولا لذلك».
279

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي