فأين هذا من حال من قال: لا أحبُّك لثوابك لأنَّه عين حظِّي، وإنَّما أحبُّك لعقابك لأنَّه لا حظَّ لي فيه، والرجاء عين الحظِّ، ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء؟
فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيه: إنَّه شطح قد يُعذَر فيه صاحبُه إذا كان مغلوبًا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تُهدَر محاسنُه ومعاملاته وأحواله وزهده. ولكنَّ الذي ننكر كونُ هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العَليَّة التي يتعاطاها العبد ويشمِّر إليها، فهذا الذي لا تُلبَس٣ عليه الثِّياب ولا تَصبر عليه نفوسُ العلماء، وحاشا سادات القوم وأئمَّتهم من هذه الرُّعونات، بل هم أبعد الناس منها.
نعم، قد يعرض لأحدهم حالٌ يحدِّث نفسَه بأنَّه لو عذَّبه لكان راضيًا بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه، ويعزم على ذلك بقلبه، ولكن هذا عزمٌ وأمنية، وعند الحقيقة لا يكون لذلك٤ أثرٌ البتَّة، ولو امتحنه بأدنى محنةٍ
(١) في ع زيادة: «إنَّا».
(٢) أخرجه أحمد (١٥٨٩٨) وأبو داود (٧٩٢) وابن ماجه (٩١٠) وابن خزيمة (٧٢٥) وابن حبان (٨٦٨) بإسناد صحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وفي بعض الروايات أنه أبو هريرة، ورواية الإبهام أصح. انظر: «العلل» للدارقطني (١٩٤٤).
(٣) ع: «تلتبس».
(٤) م: «كذلك ولا لذلك».
لصاح واستغاث وسأل العافية، كما جرى للقائل١:
وليس لي من هواك بدٌّفكيفما شئتَ فامتحنِّي
فامتحنه بعسر البول، فطاحت هذه الدعوى عنه واضمحلَّ خيالها، وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب!
فالعزم على الرِّضا لونٌ، وحقيقته لونٌ آخر.
وأمَّا قوله: (إن التنزيل نطق به٢ لفائدةٍ واحدة، وهي كونه يبرِّد حرارة الخوف)، فيقال: بل لفوائد كثيرةٍ أُخَر سوى هذه:
منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربِّه ويستشرفه من إحسانه، وأنَّه لا يستغني عن فضله طرفةَ عينٍ.
ومنها: أنَّه سبحانه يحبُّ من عباده أن يؤمِّلوه ويرجوه ويسألوه من فضله، لأنَّه المَلِك الحقُّ الجواد، أجوَدُ من سئل وأوسع من أعطى، وأحبُّ ما إلى الجواد أن يُرجى ويؤمَّل ويُسأل. وفي الحديث: «من لم يسأل الله يغضَبْ عليه»٣، والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يَرجُ الله يغضب عليه، فهذه فائدة
(١) في ع زيادة: «وهو سَمْنون». وهو سَمنون بن حمزة الخوَّاص، معاصر للجنيد. انظر: «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٠٩) و«تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٢٤) و«القشيرية» (ص ١٦٩).
(٢) ع: «وإنما نطق به التنزيل».
(٣) أخرجه أحمد (٩٧٠١) والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٥٨) والترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧) والحاكم (١/ ٤٩١) وغيرهم من حديث أبي المَليح عن أبي صالح الخُوزي عن أبي هريرة. قال الترمذي: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه» ولم يحسِّنه. وإسناده يحتمل ذلك، فأبو صالح ضعَّفه ابن معين، وقال عنه أبو زرعة: لا بأس به. وانظر: «الصحيحة» (٢٦٥٤).