فامتحنه بعسر البول، فطاحت هذه الدعوى عنه واضمحلَّ خيالها، وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب!
فالعزم على الرِّضا لونٌ، وحقيقته لونٌ آخر.
وأمَّا قوله: (إن التنزيل نطق به٢ لفائدةٍ واحدة، وهي كونه يبرِّد حرارة الخوف)، فيقال: بل لفوائد كثيرةٍ أُخَر سوى هذه:
منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربِّه ويستشرفه من إحسانه، وأنَّه لا يستغني عن فضله طرفةَ عينٍ.
ومنها: أنَّه سبحانه يحبُّ من عباده أن يؤمِّلوه ويرجوه ويسألوه من فضله، لأنَّه المَلِك الحقُّ الجواد، أجوَدُ من سئل وأوسع من أعطى، وأحبُّ ما إلى الجواد أن يُرجى ويؤمَّل ويُسأل. وفي الحديث: «من لم يسأل الله يغضَبْ عليه»٣، والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يَرجُ الله يغضب عليه، فهذه فائدة
(١) في ع زيادة: «وهو سَمْنون». وهو سَمنون بن حمزة الخوَّاص، معاصر للجنيد. انظر: «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٠٩) و«تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٢٤) و«القشيرية» (ص ١٦٩).
(٢) ع: «وإنما نطق به التنزيل».
(٣) أخرجه أحمد (٩٧٠١) والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٥٨) والترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧) والحاكم (١/ ٤٩١) وغيرهم من حديث أبي المَليح عن أبي صالح الخُوزي عن أبي هريرة. قال الترمذي: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه» ولم يحسِّنه. وإسناده يحتمل ذلك، فأبو صالح ضعَّفه ابن معين، وقال عنه أبو زرعة: لا بأس به. وانظر: «الصحيحة» (٢٦٥٤).
أخرى من فوائد الرجاء: التخلُّص به من غضب الله.
ومنها: أنَّ الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيِّب له المسير، ويحثُّه عليه، ويبعثه على ملازمته. فلولا الرجاء لما سرى أحدٌ، فإن الخوف وحده لا يحرِّك العبد، وإنّما يحرِّكه الحبُّ، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرّجاء.
ومنها: أنَّ الرجاء يطرحه على عتبة المحبَّة ويلقيه في دِهليزها، فإنَّه كلَّما اشتدَّ رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبًّا لله وشكرًا له ورضًا عنه١.
ومنها: أنَّه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشُّكر الذي هو خلاصة العبوديّة، فإنَّه إذا حصل له مرجوُّه كان ذلك أدعى لشكره.
ومنها: أنَّه يوجب له المزيد من معرفته بأسمائه٢ ومعانيها والتعلُّق بها، فإنَّ الرجاء تعلُّقٌ بأسماء الإحسان٣ وتعبُّدٌ بها ودعاءٌ بها، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف: ١٨٠]، فلا ينبغي أن يعطَّل دعاؤه بأسماء الإحسان٤ التي هي أعظم ما يدعوه بها الداعي، فالقدح في مقام الرجاء تعطيلٌ لعبودية هذه الأسماء والدُّعاء بها.
(١) ع: «به وعنه».
(٢) ع: «معرفة الله وأسمائه».
(٣) ع: «بأسمائه الحُسنى»، تغيير أفسد المقصود. والمراد بـ «أسماء الإحسان»: البَرُّ، والمحسن، واللطيف، والرحيم، ونحوها من الأسماء.