وليس شيخ الإسلام أعلم من نبيِّ الله، ولا المعترض عليه بأجهل من هدهد! وبالله المستعان.
فصل
قال صاحب «المنازل» قدس الله روحه١: (والرجاء على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رجاءٌ يبعث العاملَ على الاجتهاد، ويولِّد التلذُّذ بالخدمة، ويوقظ الطِّباع للسماحة بترك المناهي).
أي ينشِّطه لبذل جهده لِما يرجوه من ثواب ربِّه، فإنَّ مَن عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه.
وأمَّا (توليده للتلذُّذ بالخدمة)، فإنَّه كلَّما طالع قلبُه ثمرها٢ وحسنَ عاقبتها التذَّ بها. وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره ويقاسي٣ مشاقَّ السفر لأجلها، فكلَّما صوَّرها لقلبه هانت عليه تلك المشاقُّ والتذَّ بها. وكذلك المحبُّ الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقَّة عليه٤، كلَّما تأمَّل ثمرةَ رضاه عنه وقبولِه سعيَه وقُربَه منه تلذَّذ بتلك المساعي، وكلَّما قوي علم العبد بإفضاء ذلك السبب إلى المسبَّب المطلوب، وقوي علمه بقدر المسبَّب وقرب السبب منه= ازداد التذاذًا بتعاطيه.
وأمَّا (إيقاظ الطِّباع للسماحة بترك المناهي)، فإنَّ الطِّباع لها معلومٌ
(١) (ص ٢٦).
(٢) ع: «ثمرتها».
(٣) ل: «تقاسى».
(٤) «الشاقه عليه» ساقط من ع.
ورسومٌ تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا بعوضٍ هو أحبُّ إليها من معلومها ورسومها، وأجلُّ عنده١ منه وأنفع لها، فإذا قوي تعلُّق الرجاءِ بهذا العوض الأفضل والأشرف سمحت الطِّباعُ بترك تلك الرُّسوم وذلك المعلوم، فإنَّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه، أو حذرًا من مَخُوفٍ هو أعظمُ مفسدةً لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارُها من ذلك المَخُوف إيثارٌ لضدِّه المحبوب لها، فما تركت محبوبًا إلا لِما هو أحبُّ إليها منه؛ فإنَّ من قُدِّم إليه طعام٢ يضرُّه ويوجب له السقم، فإنَّما يتركه محبةً للعافية التي هي أحبُّ إليه من ذلك الطعام.
قال صاحب «المنازل»٣: (الدرجة الثانية: رجاء أرباب الرِّياضات أن يبلغوا موقفًا تصفو فيه هممهم برفض الملذوذات، ولزوم شروط العلم، واستقصاء حدود الحِمْية٤).
أرباب الرِّياضات٥ هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفها٦ والاستبدالِ بها مألوفاتٍ هي خيرٌ منها وأكمل، فرجاؤهم أن يبلغوا
(١) كذا في النسخ، أي: عند العبد.
(٢) في ع زيادة: «لذيذ».
(٣) (ص ٢٦).
(٤) هذا الضبط مقتضى تفسير المؤلف الآتي للكلمة. وشرحها التلمساني (ص ١٥٦) والكاساني (ص ١٣٥) على أنها «الحميَّة» أي: الأنفة والنخوة.