مدارج السالكين

ورسومٌ تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا بعوضٍ هو أحبُّ إليها من معلومها ورسومها، وأجلُّ عنده١ منه وأنفع لها، فإذا قوي تعلُّق الرجاءِ بهذا العوض الأفضل والأشرف سمحت الطِّباعُ بترك تلك الرُّسوم وذلك المعلوم، فإنَّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه، أو حذرًا من مَخُوفٍ هو أعظمُ مفسدةً لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارُها من ذلك المَخُوف إيثارٌ لضدِّه المحبوب لها، فما تركت محبوبًا إلا لِما هو أحبُّ إليها منه؛ فإنَّ من قُدِّم إليه طعام٢ يضرُّه ويوجب له السقم، فإنَّما يتركه محبةً للعافية التي هي أحبُّ إليه من ذلك الطعام.

قال صاحب «المنازل»٣: (الدرجة الثانية: رجاء أرباب الرِّياضات أن يبلغوا موقفًا تصفو فيه هممهم برفض الملذوذات، ولزوم شروط العلم، واستقصاء حدود الحِمْية٤).

أرباب الرِّياضات٥ هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفها٦ والاستبدالِ بها مألوفاتٍ هي خيرٌ منها وأكمل، فرجاؤهم أن يبلغوا

  1. (١) كذا في النسخ، أي: عند العبد.
  2. (٢) في ع زيادة: «لذيذ».
  3. (٣) (ص ٢٦).
  4. (٤) هذا الضبط مقتضى تفسير المؤلف الآتي للكلمة. وشرحها التلمساني (ص ١٥٦) والكاساني (ص ١٣٥) على أنها «الحميَّة» أي: الأنفة والنخوة.
  5. (٥) ع: «البصائر»، خطأ.
  6. (٦) ع: «مألوفاتها».
285

مقصودهم بصفاء الوقت والهمَّةِ من تعلُّقها بالملذوذات، وتجريدِ الهمِّ عن الالتفات إليها.

(وبلزوم شروط العلم) وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينيَّة، فإنَّ رجاءهم متعلِّق بحصول ذلك لهم.

(واستقصاء حدود الحِمْيَة)، الحِمْيَة هي العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلًا أو عاجلًا. ولها حدودٌ متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبُه. والوقوفُ على حدودها بلزوم شروط العلم. والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين: بذل الجهد في معرفتها علمًا، وأخذ النفس بالوقوف عندها طلبًا وقصدًا.

قال١: (الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الحق الباعث على الاشتياق، المنغِّصِ للعيش، المزهِّدِ في الخلق).

هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].

وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصارُ المشتاقين. ولذلك سلَّاهم الله بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا له يسكِّن نفوسهم ويُطَمئنها.

والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه. واختلف المحبُّون: هل

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٦).
286

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي