مدارج السالكين

مقصودهم بصفاء الوقت والهمَّةِ من تعلُّقها بالملذوذات، وتجريدِ الهمِّ عن الالتفات إليها.

(وبلزوم شروط العلم) وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينيَّة، فإنَّ رجاءهم متعلِّق بحصول ذلك لهم.

(واستقصاء حدود الحِمْيَة)، الحِمْيَة هي العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلًا أو عاجلًا. ولها حدودٌ متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبُه. والوقوفُ على حدودها بلزوم شروط العلم. والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين: بذل الجهد في معرفتها علمًا، وأخذ النفس بالوقوف عندها طلبًا وقصدًا.

قال١: (الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الحق الباعث على الاشتياق، المنغِّصِ للعيش، المزهِّدِ في الخلق).

هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].

وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصارُ المشتاقين. ولذلك سلَّاهم الله بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا له يسكِّن نفوسهم ويُطَمئنها.

والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه. واختلف المحبُّون: هل

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٦).
286

يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول؟ على قولين:

فقالت طائفة: يزول، لأنه إنَّما يكون مع الغَيبة، وهو سفر القلب إلاه١، فإذا انتهى السفر٢ وضع عصا٣ الاشتياق عن عاتقه، وصار الاشتياق أنسًا به ولذَّةً بقربه.

وقالت طائفة: بل يزيد الاشتياق٤ ولا يزول باللِّقاء. قالوا: لأنَّ الحبَّ يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعافَ ما كان حال غيبته. وإنَّما يواري سلطانَه فناؤُه ودهشتُه بمعاينة محبوبه، حتَّى إذا توارى عنه ظهر سلطانُ شوقه إليه. ولهذا قيل٥:

وأعظم ما يكون الشّوق يومًاإذا دنت الخيام من الخيام

وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة٦

  1. (١) ع: «إلى المحبوب».
  2. (٢) في ع زيادة: «واجتمع بمحبوبه».
  3. (٣) «عصا» ساقطة من ل.
  4. (٤) «الاشتياق» ليس في ش، ع، وكأنه ضُرب عليه في الأصل.
  5. (٥) من بيتين أنشدهما إسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت ٢٣٥) عند الواثق، كما في «أمالي القالي» (١/ ٥٥) و«الزهرة» (ص ٢٩٣) و«الأغاني» (٢/ ٦٠٥)، والرواية: «وأبرح ما يكون ... الديار من الديار». وكذا العجز عند المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٧٢٥). وفي «رسالة القشيري» (ص ٦٦٨) كما هنا. وذكره المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٥١، ١٢٦، ٢٠٤، ٥٨٩) على الوجهين.
  6. (٦) وهو المسمَّى: «قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين» كما سبق أن ذكره المؤلف (١/ ١٤١)، ولا يزال في عداد المفقود. وقد ذكر طرفًا من المسألة باختصار في «روضة المحبين» (ص ٥١ - ٥٢).
287

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي