مدارج السالكين

يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول؟ على قولين:

فقالت طائفة: يزول، لأنه إنَّما يكون مع الغَيبة، وهو سفر القلب إلاه١، فإذا انتهى السفر٢ وضع عصا٣ الاشتياق عن عاتقه، وصار الاشتياق أنسًا به ولذَّةً بقربه.

وقالت طائفة: بل يزيد الاشتياق٤ ولا يزول باللِّقاء. قالوا: لأنَّ الحبَّ يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعافَ ما كان حال غيبته. وإنَّما يواري سلطانَه فناؤُه ودهشتُه بمعاينة محبوبه، حتَّى إذا توارى عنه ظهر سلطانُ شوقه إليه. ولهذا قيل٥:

وأعظم ما يكون الشّوق يومًاإذا دنت الخيام من الخيام

وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة٦

  1. (١) ع: «إلى المحبوب».
  2. (٢) في ع زيادة: «واجتمع بمحبوبه».
  3. (٣) «عصا» ساقطة من ل.
  4. (٤) «الاشتياق» ليس في ش، ع، وكأنه ضُرب عليه في الأصل.
  5. (٥) من بيتين أنشدهما إسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت ٢٣٥) عند الواثق، كما في «أمالي القالي» (١/ ٥٥) و«الزهرة» (ص ٢٩٣) و«الأغاني» (٢/ ٦٠٥)، والرواية: «وأبرح ما يكون ... الديار من الديار». وكذا العجز عند المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٧٢٥). وفي «رسالة القشيري» (ص ٦٦٨) كما هنا. وذكره المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٥١، ١٢٦، ٢٠٤، ٥٨٩) على الوجهين.
  6. (٦) وهو المسمَّى: «قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين» كما سبق أن ذكره المؤلف (١/ ١٤١)، ولا يزال في عداد المفقود. وقد ذكر طرفًا من المسألة باختصار في «روضة المحبين» (ص ٥١ - ٥٢).
287

وفي كتاب «سفر الهجرتين»١، وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء الله تعالى٢.

وقوله: (المنغِّص للعيش)، فلا ريب أنَّ عيش المشتاق منغَّصٌ حتى يلقى محبوبه، فهناك تقرُّ عينُه ويزول عن عيشه تنغيصُه.

وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد، لأنَّ صاحبه طالبٌ للأنس بالله والقرب منه، فهو أزهد شيءٍ في الخلق، إلّا من أعانه على هذا المطلوب لقاؤه منهم وأوصله إليه، فهو أحبُّ خلق الله إليه، ولا يأنس من الخلق بغيره ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرَّفيق جهدك، فإن لم تظفر به فاتَّخذ الله صاحبًا، ودع الناس كلَّهم جانبًا و٣:

مُت بداء الهوى، وإلَّا فخاطرْواطرق الحيَّ والعيونُ نواظرْ
لا تخَفْ وحشة الطريق إذا جئْـتَ وكن في خفارة الحبِّ سائرْ
واصبر النفس ساعةً عن سواهمْفإذا لم تُجِب لصبرٍ فصابِرْ
وصم اليوم واجعل الفطر يومًافيه تلقى الحبيب بالبشر شاكِرْ
وافطم النفس عن سواه فكلُّ الْــعيش بعد الفطام نحوك صائرْ
وتأمَّل سريرة القلب واستحْـيِ من الله يوم تبلى السرائرْ
  1. (١) (٢/ ٧٢٤ - ٧٢٧).
  2. (٢) (٣/ ٤٣٤).
  3. (٣) لم ترد الواو في ل. ومسحها بعضهم من الأصل، م. وذلك لأنها كتبت مع البيت الأول ووزنه لا يستقيم معها. وهو من الخزم الذي يُعتدُّ به في المعنى دون اللفظ والوزن، وهو جائز.
288

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي