نعم، الفناء المحمود ــ وهو تحقيق مقام الإحسان ــ أن١ يفنى بحبِّه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه وعبادته والتّبتُّل إليه عن غيره. وليس فوق ذلك مقام يُطلب إلا ما هو من عوارض الطريق.
قوله: (وتصون السالك عن وهن الفترة)، أي تحفظه عن ضعف فتوره وكسله الذي سببُه عدمُ الرغبة أو قلَّتها.
وقوله: (وتمنع صاحبها من الرُّجوع إلى غثاثة الرُّخص)، أهل العزائم بناءُ٢ أمرهم على الجدِّ والصِّدق، والسُّكونُ منهم إلى الرُّخص رجوع وبطالة.
وهذا موضعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ، ليس على إطلاقه، فإنَّ الله ﷿ يحبُّ أن يؤخذ برخصه كما يحبُّ أن يؤخذ بعزائمه. وفي «المسند» مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ: «إنَّ الله يحبُّ أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته»٣، فجعل الأخذ بالرُّخص قُبالةَ إتيان المعاصي، وجعل حظَّ هذا: المحبَّةَ، وحظَّ هذا: الكراهية.
وما عَرَض للنبيِّ ﷺ أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا٤، والرُّخصة أيسر من العزيمة. وهكذا كانت حاله في فطره في سفره، وجمعه بين الصلاتين، والاقتصار من الرُّباعية على شطرها، وغير ذلك. فنقول: الرُّخصة
(١) السياق في ع: «الفناء المحمود هو تحقيق مقام الإحسان، وهو أن».
(٢) ع: «بَنَوا».
(٣) حديث حسن سبق تخريجه (١/ ٣٩٥).
(٤) كما في حديث عائشة عند البخاري (٣٥٦٠) ومسلم (٢٣٢٧).
نوعان:
أحدهما: الرُّخصة المستقرَّة المعلومة من الشَّرع نصًّا١، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمةٌ باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصةٌ باعتبار الإذن والتّوسعة. وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاةِ المريض إذا شقَّ عليه القيام قاعدًا، وفطرِ الحامل والمرضع خوفًا٢ على ولديهما، ونكاحِ الأمة خوفًا من العنت، ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرُّخص ما يوهن رغبته، ولا يردُّه إلى غثاثةٍ، ولا ينقص طلبه وإرادته البتَّة، فإنَّ منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة، ومنها ما هو راجحُ المصلحةِ كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره، ومنها ما مصلحته للمترخِّص وغيره، ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدِّية، كفطر الحامل والمرضع؛ ففعلُ هذه الرُّخص أرجح وأفضل من تركه٣.
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب، فهذه تتبُّعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخِّص إلى غثاثة الرُّخص؛ فإنَّ من ترخَّص بقول أهل مكَّة في الصَّرْف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحِيَل في المعاملات، وقولِ ابن عبَّاسٍ في المتعة وإباحة لحوم الحمر، وقولِ من جوَّز نكاح البغايا المعروفاتِ بالبغاء وجوَّز أن يكون زوجَ قحبةٍ، وقولِ من أباح آلات اللهو والمعازف من اليَراع