أحدهما: الرُّخصة المستقرَّة المعلومة من الشَّرع نصًّا١، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمةٌ باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصةٌ باعتبار الإذن والتّوسعة. وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاةِ المريض إذا شقَّ عليه القيام قاعدًا، وفطرِ الحامل والمرضع خوفًا٢ على ولديهما، ونكاحِ الأمة خوفًا من العنت، ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرُّخص ما يوهن رغبته، ولا يردُّه إلى غثاثةٍ، ولا ينقص طلبه وإرادته البتَّة، فإنَّ منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة، ومنها ما هو راجحُ المصلحةِ كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره، ومنها ما مصلحته للمترخِّص وغيره، ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدِّية، كفطر الحامل والمرضع؛ ففعلُ هذه الرُّخص أرجح وأفضل من تركه٣.
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب، فهذه تتبُّعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخِّص إلى غثاثة الرُّخص؛ فإنَّ من ترخَّص بقول أهل مكَّة في الصَّرْف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحِيَل في المعاملات، وقولِ ابن عبَّاسٍ في المتعة وإباحة لحوم الحمر، وقولِ من جوَّز نكاح البغايا المعروفاتِ بالبغاء وجوَّز أن يكون زوجَ قحبةٍ، وقولِ من أباح آلات اللهو والمعازف من اليَراع
(١) ل: «أيضًا»، تحريف.
(٢) ش: «إذا خافتا».
(٣) ع: «تركها».
والطُّنبور والعود والطبل والمزمار، وقولِ من أباح الغناء، وقولِ من جوَّز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقولِ من جوَّز للصّائم أكل البَرَد وقال: ليس بطعامٍ ولا شرابٍ، وقولِ من جوَّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقولِ من صحَّح الصلاة بـ ﴿﴾[الرحمن: ٦٤] بالفارسيَّة وركع كلمحة١ الطَّرْف ثمَّ فَصَل كحدِّ السيف ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصل بين السجدتين بارتفاع كحدِّ السّيف ولم يتشهَّد ولم يصلِّ على النبيِّ ﷺ وخرج من الصلاة بحَبْقة٢، وقولِ من جوَّز وطء النِّساء في أعجازهنَّ، ونكاحَ بنته المخلوقة من مائه الخارجةِ من صلبه حقيقةً إذا كان ذلك الحمل من زنًى، وأمثالِ ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء المرجوحة= فهذا الذي يَنقص ترخُّصُه رغبتَه، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرُّخص؛ فهذا لون والأوَّل لون.
قال٣: (الدرجة الثانية: رغبة أرباب الحال، وهي رغبةٌ لا تُبقي من المجهود إلا٤ مبذولًا، ولا تدع للهمّة ذبولًا، ولا تترك غير القصد٥
(١) ع: «كلحظة».
(٢) أي: بضرطة. هذه الصفة للصلاة اقتبسها المؤلف من قصة أبي بكر القفَّال المروزي، شيخ الشافعية بخراسان، حين صلَّى بين يدي السلطان محمود الغزنوي صلاةً بأقل ما يجزئ عند الشافعية، ثم بأقل ما يجزئ عند الحنفية ــ وهي كما ذكرها المؤلف هاهنا ــ، فتحوَّل السلطان إلى مذهب الشافعي. قد نقل القصة القفال في «فتاويه» كما في «طبقات الشافعية» للسبكي (٥/ ٣١٦)، ثم حكاها الجويني في «مغيث الخلق» (ص ٥٧ - ٥٩).
(٣) «المنازل» (ص ٢٧).
(٤) «إلا» ساقطة من النسخ كلها ما عدا ج.
(٥) في ل أصلحه بعضهم إلى: «المقصود» ليتفق مع لفظ «المنازل».