مدارج السالكين

والطُّنبور والعود والطبل والمزمار، وقولِ من أباح الغناء، وقولِ من جوَّز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقولِ من جوَّز للصّائم أكل البَرَد وقال: ليس بطعامٍ ولا شرابٍ، وقولِ من جوَّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقولِ من صحَّح الصلاة بـ ﴿﴾ [الرحمن: ٦٤] بالفارسيَّة وركع كلمحة١ الطَّرْف ثمَّ فَصَل كحدِّ السيف ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصل بين السجدتين بارتفاع كحدِّ السّيف ولم يتشهَّد ولم يصلِّ على النبيِّ ﷺ وخرج من الصلاة بحَبْقة٢، وقولِ من جوَّز وطء النِّساء في أعجازهنَّ، ونكاحَ بنته المخلوقة من مائه الخارجةِ من صلبه حقيقةً إذا كان ذلك الحمل من زنًى، وأمثالِ ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء المرجوحة= فهذا الذي يَنقص ترخُّصُه رغبتَه، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرُّخص؛ فهذا لون والأوَّل لون.

قال٣: (الدرجة الثانية: رغبة أرباب الحال، وهي رغبةٌ لا تُبقي من المجهود إلا٤ مبذولًا، ولا تدع للهمّة ذبولًا، ولا تترك غير القصد٥

  1. (١) ع: «كلحظة».
  2. (٢) أي: بضرطة. هذه الصفة للصلاة اقتبسها المؤلف من قصة أبي بكر القفَّال المروزي، شيخ الشافعية بخراسان، حين صلَّى بين يدي السلطان محمود الغزنوي صلاةً بأقل ما يجزئ عند الشافعية، ثم بأقل ما يجزئ عند الحنفية ــ وهي كما ذكرها المؤلف هاهنا ــ، فتحوَّل السلطان إلى مذهب الشافعي. قد نقل القصة القفال في «فتاويه» كما في «طبقات الشافعية» للسبكي (٥/ ٣١٦)، ثم حكاها الجويني في «مغيث الخلق» (ص ٥٧ - ٥٩).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٢٧).
  4. (٤) «إلا» ساقطة من النسخ كلها ما عدا ج.
  5. (٥) في ل أصلحه بعضهم إلى: «المقصود» ليتفق مع لفظ «المنازل».
294

مأمولًا).

يعني أنَّ الرغبة الحاصلة لأرباب الحال فوق رغبة أصحاب الخبر، لأنّ صاحب الحال كالمضطرِّ إلى رغبته وإرادته، فهو كالفراش الذي إذا رأى النُّور ألقى نفسه فيه ولا يبالي ما أصابه، فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورًا له إلَّا بذله، ولا تدع لهمَّته وعزيمته فترةً ولا خمودًا، فهمَّته وعزيمته في مزيدٍ بعدد الأنفاس، ولا تترك في قلبه نصيبًا لغير مقصوده، وذلك لغلبة سلطان الحال.

وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلَّا حالٌ مثل حاله أو أقوى منه، ومتى لم تصادفه حالٌ تعارضه فله من النُّفوذ والتأثير بحسب حاله.

قال١: (الدرجة الثالثة: رغبة أهل الشُّهود، وهي تشرُّفٌ تصحبه تقيَّة، وتحمله عليها همَّةٌ نقيَّة، لا تبقى معه من التفرُّق بقيَّة).

يشير الشيخ ﵀ بذلك إلى حال الفناء التي يحمله عليها همَّةٌ نقيَّةٌ من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحقِّ، بحيث لا يبقى معه بقيَّةٌ من تفرقةٍ، بل قد اجتمع شاهده كلُّه وانحصر في مشهوده. وأراد بالشُّهود هاهنا شهود الحقيقة.

وقوله: (تشرُّفٌ) أي استشراف للغيبة في الفناء. ويحتمل أن يريد به تشرُّفًا عن التفاته إلى ما سوى مشهوده.

والتقيَّة التي تصحب هذا التشرُّف يحتمل أن يريد٢ التقيَّةَ من إظهار

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٧).
  2. (٢) في ع زيادة: «به». ومقتضى السياق: «بها»، وقد وردت فيما بعد، وموقعها هنا ويجوز حذفها فيما يأتي.
295

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي