مدارج السالكين

مأمولًا).

يعني أنَّ الرغبة الحاصلة لأرباب الحال فوق رغبة أصحاب الخبر، لأنّ صاحب الحال كالمضطرِّ إلى رغبته وإرادته، فهو كالفراش الذي إذا رأى النُّور ألقى نفسه فيه ولا يبالي ما أصابه، فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورًا له إلَّا بذله، ولا تدع لهمَّته وعزيمته فترةً ولا خمودًا، فهمَّته وعزيمته في مزيدٍ بعدد الأنفاس، ولا تترك في قلبه نصيبًا لغير مقصوده، وذلك لغلبة سلطان الحال.

وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلَّا حالٌ مثل حاله أو أقوى منه، ومتى لم تصادفه حالٌ تعارضه فله من النُّفوذ والتأثير بحسب حاله.

قال١: (الدرجة الثالثة: رغبة أهل الشُّهود، وهي تشرُّفٌ تصحبه تقيَّة، وتحمله عليها همَّةٌ نقيَّة، لا تبقى معه من التفرُّق بقيَّة).

يشير الشيخ ﵀ بذلك إلى حال الفناء التي يحمله عليها همَّةٌ نقيَّةٌ من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحقِّ، بحيث لا يبقى معه بقيَّةٌ من تفرقةٍ، بل قد اجتمع شاهده كلُّه وانحصر في مشهوده. وأراد بالشُّهود هاهنا شهود الحقيقة.

وقوله: (تشرُّفٌ) أي استشراف للغيبة في الفناء. ويحتمل أن يريد به تشرُّفًا عن التفاته إلى ما سوى مشهوده.

والتقيَّة التي تصحب هذا التشرُّف يحتمل أن يريد٢ التقيَّةَ من إظهار

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٧).
  2. (٢) في ع زيادة: «به». ومقتضى السياق: «بها»، وقد وردت فيما بعد، وموقعها هنا ويجوز حذفها فيما يأتي.
295

الناس على حاله وإطلاعهم عليها صيانةً لها وغيرةً عليها، ويحتمل أن يريد بها١ الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده، فهو يتَّقي ذلك الالتفات ويحذره كلَّ الحذر.

ثمّ ذكر الحامل له على هذه الرغبة، وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد تطهَّرت قبل وصولها إلى هذه الغاية، وهي: الهمَّة النقيَّة. ولو لم يحصل لها كمال الطهارة لبقيت عليها بقيَّة منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة. والله ﷾ أعلم.

  1. (١) ع: «به».
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي