مدارج السالكين

أمّا قوله: (صون بالعناية) أي حفظٌ بالاعتناء، والقيامُ بحقِّ الشيء الذي يرعاه، ومنه راعي الغنم.

وأما قوله: (رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها)، فالتوفير: سلامةٌ من طرفي التفريط بالنقص، والإفراط بالزِّيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها. وأمَّا تحقيرها فاستصغارها في عينه واستقلالها، وأنَّ ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديَّته أمرٌ آخر، وأنَّه لم يوفِّه حقَّه، ولا يرضى لربِّه بعمله ولا بشيءٍ منه.

وقد قيل: علامة رضا الله عنك سخطك على نفسك١، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إنَّ العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته. وقد كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصّلاة استغفر ثلاثًا٢. وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحجِّ٣، ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل بالأسحار٤. وشرع النبيُّ ﷺ للأمة عقيب الطُّهور التوبة والاستغفار٥.

  1. (١) ع: «إعراضك عن نفسك».
  2. (٢) كما في حديث ثوبان عند مسلم (٥٩١).
  3. (٣) في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
  4. (٤) في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
  5. (٥) وذلك بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فإذا قالها: «طبع الله عليها بطابع، ثم رُفعت تحتَ العرش فلم تُكسَر إلى يوم القيامة». أخرجه ابن أبي شيبة (١٩) والنسائي في «الكبرى» (٩٨٢٩ - ٩٨٣١) والحاكم (١/ ٥٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري على اختلاف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب كما قال النسائي والدارقطني في «العلل» (٢٣٠١)، على أن مثله مما لا يُقال من قِبَل الرأي، فهو في حكم المرفوع.
300

فمن شهد واجبَ ربِّه ومقدارَ عمله وعيبَ نفسه لم يجد بدًّا من استغفار ربِّه منه واحتقاره إيَّاه واستصغاره.

وأمّا (القيام بها)، فهو توفية حقِّها وجعلُها قائمةً كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرةِ القائمة على ساقها التي ليست ساقطة١.

وقوله: (من غير نظرٍ إليها)، أي من غير أن يلتفت إليها ويعدِّدها ويذكرها مخافةَ العجب والمنَّةِ بها، فيسقط من عين الله وتَحبَط أعمالُه.

وقوله: (وإجراؤها على مجرى العلم) أي: يكون٢ العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوَّة، إخلاصًا وإرادةً لوجهه وطلبًا لمرضاته، لا على وجه التزيُّن بها عند الناس.

قال٣: (وأمَّا رعاية الأحوال فهو أن يَعُدَّ الاجتهادَ مُراياةً٤، واليقين تشبُّعًا، والحال دعوى).

أي: يتَّهم نفسه في اجتهاده أنَّه رياء للناس، فلا يطغى به ولا يسكن إليه ولا يَعتدُّ به.

  1. (١) ع: «بساقطة».
  2. (٢) ع: «هو أن يكون».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٢٨).
  4. (٤) أي: مُراءاةً. وانظر التعليق على نظيره (ص ١٩٩).
301

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي