فمن شهد واجبَ ربِّه ومقدارَ عمله وعيبَ نفسه لم يجد بدًّا من استغفار ربِّه منه واحتقاره إيَّاه واستصغاره.
وأمّا (القيام بها)، فهو توفية حقِّها وجعلُها قائمةً كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرةِ القائمة على ساقها التي ليست ساقطة١.
وقوله: (من غير نظرٍ إليها)، أي من غير أن يلتفت إليها ويعدِّدها ويذكرها مخافةَ العجب والمنَّةِ بها، فيسقط من عين الله وتَحبَط أعمالُه.
وقوله: (وإجراؤها على مجرى العلم) أي: يكون٢ العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوَّة، إخلاصًا وإرادةً لوجهه وطلبًا لمرضاته، لا على وجه التزيُّن بها عند الناس.
قال٣: (وأمَّا رعاية الأحوال فهو أن يَعُدَّ الاجتهادَ مُراياةً٤، واليقين تشبُّعًا، والحال دعوى).
أي: يتَّهم نفسه في اجتهاده أنَّه رياء للناس، فلا يطغى به ولا يسكن إليه ولا يَعتدُّ به.
(١) ع: «بساقطة».
(٢) ع: «هو أن يكون».
(٣) «المنازل» (ص ٢٨).
(٤) أي: مُراءاةً. وانظر التعليق على نظيره (ص ١٩٩).
وأمَّا عَدُّه (اليقين تشبُّعًا)؛ التشبُّع: افتخار الإنسان بما لا يملكه، ومنه قول النبيِّ ﷺ: «المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زورٍ»١، وعدُّه اليقين تشبُّعًا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه، ولا استحقَّه بعوضٍ. وإنَّما هو فضل الله وعطاؤه، ووديعته عنده، ومجرَّد منَّته عليه، فهي خلعةٌ خلعها على عبده٢، والعبدُ وخلعتُه كلٌّ ملكُه وله٣، فما للعبد في البَيْن٤ مدخل، وإنّما هو متشبِّعٌ بما هو ملكٌ لله وفضلٌ منه ومنَّته على عبده.
والوجه الثاني: أن يتَّهم يقينه، وأنّه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي، بل ما حصل له منه كالعارية غير٥ الملك المستقرِّ، فهو متشبِّعٌ به تزعم نفسُه أنَّ اليقين مَلَكةٌ له، وليس كذلك. وهذا لا يختصُّ باليقين، بل بسائر الأحوال، فالصادق يَعُدُّ صدقه تشبُّعًا، وكذا المخلص وكذا العالِم، لاتِّهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه، وأنَّه لم ترسخ قدمُه في ذلك، ولم تَحصُل له فيه مَلَكة، فهو كالمتشبِّع به٦. ولمَّا كان اليقينُ روح الأعمال وعمودَها وذروةَ سنامها خصَّه بالذِّكر تنبيهًا على ما دونه.
(١) أخرجه البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٣٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر.