مدارج السالكين

والحاصل أنّه يتَّهم نفسه في حصول اليقين، فإذا حصل فليس به ولا منه، ولا له فيه شيءٌ، فهو يذمُّ نفسه في عدم حصوله، ولا يحمدها عند حصوله.

وأمَّا عدُّه (الحال دعوى)، أي دعوى كاذبةً، اتِّهامًا لنفسه، وتطهيرًا لها من رعونة الدَّعاوى، وتخليصًا للقلب من نصيب الشيطان، فإنَّ الدعوى من أنصباء الشيطان منه١.

فصل

قال٢: (وأمَّا: رعاية الأوقات فأن يقف مع كلِّ خطوةٍ، ثمَّ أن يغيب عن خطوه بالصَّفاء من رسمه، ثمَّ أن يذهب عن شهود صفوه).

أي يقف مع كل حركة ظاهرة وباطنة بمقدار ما يصححها نيَّةً وقصدًا وإخلاصًا ومتابعةً، فلا يخطو هَمَجًا٣، بل يقف قبل الخطوة حتّى يصحِّح الخطوة ثمَّ ينقل قدم عزمه.

فإذا صحَّت له ونقل قدمه، انفصل عنها ــ وقد صحَّت ــ بالغيبة عن شهودها ورؤيتها، فيغيب عن شهود تقدُّمه بنفسه، فإنَّ رسمه هو نفسه. فإذا غاب عن شهوده نفسَه وتقدُّمَه بها في كلِّ خطوةٍ، فذلك عين (الصَّفاء من رسمه) الذي هو نفسه٤. ولمَّا كانت النفس محلَّ الأكدار سمَّى انفصاله

  1. (١) ع: «من نصيب الشيطان»، ثم زاد: «وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان، أعاذنا الله من الدعاوى ومن الشيطان».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٢٩)، واللفظ من «شرح التلمساني» (ص ١٦٧).
  3. (٣) ع: «هجمًا وهجمًا» كذا باللفظ الواحد. وفي طبعة الفقي: «هجمًا وهمجًا».
  4. (٤) زاد في ع: «فعند ذلك يشاهد فضل ربّه».
303

عنها صفاءً. وهذه الأمور تستدعي لطف إدراكٍ واستعدادًا١ من العبد، وذلك عين المنَّة عليه.

وأمَّا (ذهابه عن شهود صفوه) أي لا يستحضِرْ في قلبه ويشهَدْ ذلك الصفو المطلوب ويقفَ عنده، فإنَّ ذلك من بقايا النفس وأحكامها، وهو نوع كدرٍ. فإذا تخلّص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرُّجوع إليه، فيصفوَ من الرسم ويغيبَ عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.

  1. (١) في النسخ عدا ع: «استعداد» دون ألف النصب، فيكون معطوفًا على «إدراك»، ولعل المثبت من ع أشبه.
304

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي