ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المراقبة. قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾[البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾[الأحزاب: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد: ٤]١.
وفي حديث جبريل ﵇ أنَّه سأل النبيَّ ﷺ عن الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»٢.
المراقبة: دوام علم العبد٣ وتيقُّنه باطِّلاع الحقِّ سبحانه على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيبٌ عليه، ناظرٌ إليه، سامعٌ لقوله، مطَّلعٌ على عمله كلَّ وقتٍ وكلَّ لحظةٍ٤. والغافل عن هذا بمعزلٍ عن حال أهل البدايات، فكيف بحال المريدين؟ فكيف العارفين٥؟!
(١) زاد في ع: «وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات».
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﵁، كما أخرجه مسلم (٨) من حديث عمر ﵁.
(٣) ع: «القلب».
(٤) زاد في ع: «وكلَّ نَفَس وكلَّ طرفة».
(٥) كذا في النسخ مجرورًا، أي: فكيف بحال العارفين؟ وقد أُثبتت «بحال» في ع.
قال الجُرَيريُّ ﵀: من لم يُحكم بينه وبين الله تعالى التَّقوى والمراقبةَ لم يصل إلى الكشف والمشاهدة١.
وقيل: من راقب اللهَ في خواطره عَصَمه في جوارحه٢.
وقيل لبعضهم: متى يهشُّ الراعي غنمَه بعصاه عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أنَّ عليه رقيبًا٣.
قال الجنيد ﵀: من تحقَّق في المراقبة خاف على فوت حظِّه٤ من ربِّه لا غير٥.
وقال ذو النُّون ﵀: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظَّم الله، وتصغير ما صغَّر الله٦.
وقيل: الرجاء يجرُّك٧ إلى الطاعة، والخوف يبعدك عن المعاصي،
(١) أسنده البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٠٦) والقشيري (ص ٤٤٨).
(٢) ع: «حركات جوارحه» خلافًا «للقشيرية» (ص ٤٤٩) مصدرِ المؤلف. وذكره الخركوشي في «تهذيب الأسرار» (ص ١٠٧) عن ذي النون المصري بأطول منه.
(٣) أسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٥٤) عن أبي العباس بن سريج ﵀ إمام الشافعية في عصره (ت ٣٠٦). وذكره القشيري (ص ٤٤٩) عن أبي الحسين بن هند الفارسي الصوفي.
(٧) ج، ن: «يحرِّكك». وما في سائر النسخ عدا ع مهمل غير منقوط، فيمكن قراءته: «يحرِّك» كما في طبعتي الفقي ودار الكتب. والمثبت موافق لمطبوعة «القشيرية» (ص ٤٥٠).