مدارج السالكين

والمراقبة تؤدِّيك إلى طريق الحقائق.

وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحقِّ مع كلِّ خطرةٍ وخطوةٍ.

قال الجريريُّ ﵀: أمرُنا هذا مبنيٌّ على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبةَ لله، ويكونَ العلم على ظاهرك قائمًا١.

وقال إبراهيم الخوَّاص ﵀: المراقبة خلوص السِّرِّ والعلانية لله ﷿٢.

وقيل: أفضل ما يُلزم الإنسان نفسَه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة، وسياسة عمله بالعلم٣.

وقال أبو حفصٍ لأبي عثمان النَّيسابوريِّ ــ رحمهما الله ــ: إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ولنفسك، ولا يغرَّنَّك اجتماعُهم عليك، فإنَّهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك٤.

وأرباب الطريق مجمعون على أنَّ مراقبة الله في الخواطر: سببٌ لحفظه في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سرِّه حفظه الله في حركاته وعلانيته٥.

والمراقبة هي التعبُّد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء وتعبَّد بمقتضاها حصلت له المراقبة.

  1. (١) أسنده القشيري (ص ٤٥٠).
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٤٥٠).
  3. (٣) أسنده القشيري (ص ٤٥٠) عن أبي عثمان المغربي النيسابوري ﵀ (ت ٣٧٣).
  4. (٤) أسنده القشيري (ص ٤٥٠).
  5. (٥) ع: «في حركاته في سرِّه وعلانيته».
307

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (المراقبة: دوام ملاحظة المقصود، وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: مراقبة الحقِّ تعالى في السَّير إليه على الدّوام، بين تعظيمٍ مُذهلٍ، ومُداناةٍ حاملةٍ، وسرورٍ باعث).

فقوله: (دوام ملاحظة المقصود) أي دوام حضور القلب معه.

وقوله: (بين تعظيم مذهل) ــ وهو امتلاء القلب من عظمته بحيث يُذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه ــ فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله، بل يستصحبه دائمًا؛ فإنَّ الحضور مع الله يوجب أنسًا ومحبةً إن لم يقارنهما تعظيمٌ أورثاه خروجًا عن حق العبوديَّة ورعونةً، فكلُّ حبٍّ لا يقارنه تعظيم المحبوب كان سببًا٢ للبعد عنه والسُّقوط من عينه.

فقد تضمَّن كلامه خمسة أمورٍ: سيرٌ إلى الله، واستدامة للسير، وحضور القلب معه، وتعظيمه، والذُّهول بعظمته عن غيره.

وأمَّا قوله: (ومداناة حاملة)؛ يريد دنوًّا وقربًا حاملًا على هذه الأمور الخمسة. وهذا الدُّنوُّ يحمله على التّعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره، فإنه كلَّما ازداد قربًا من الحقِّ ازداد تعظيمًا له وذهولًا عن٣ سواه وبُعدًا عن الخلق.

وأمّا (السُّرور الباعث) فهو الفرحة والنعيم واللذَّة التي يجدها في تلك

  1. (١) (ص ٢٩).
  2. (٢) ع: «فهو سبب».
  3. (٣) م، ش: «عمَّا».
308

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي