المداناة، فإنَّ سرور القلب من الله وفرحَه وقرَّةَ العين به لا يشبهه شيءٌ من نعيم الدُّنيا البتة، وليس له نظيرٌ يقاس به. وهو حالٌ من أحوال الجنَّة١، حتَّى قال بعض العارفين: إنّه ليمرُّ بي أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهل الجنَّة في مثل هذا إنَّهم لفي عيشٍ طيِّب.
ولا ريب أنَّ هذا السُّرور يبعثه على دوام السَّير إلى الله وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السُّرور ولا شيئًا منه فليتَّهم إيمانَه وأعماله، فإنَّ للإيمان حلاوةً من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.
وقد ذكر النبيُّ ﷺ ذوقَ طعم الإيمان ووَجْدَ حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلَّقه بالإيمان فقال: «ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا»٢، وقال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يُلقى في النار»٣.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوةً في قلبك وانشراحًا فاتَّهمه، فإنَّ الربَّ تعالى شكورٌ. يعني: أنَّه لا بدَّ أن يثيب العامل على عمله في الدُّنيا مِن حلاوةٍ يجدها في قلبه وقوَّةٍ وانشراحٍ وقرَّةِ عينٍ، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخولٌ.
(١) م، ع: «أهل الجنة».
(٢) أخرجه مسلم (٣٤) من حديث العباس.
(٣) أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (٤٦) من حديث أنس.
والقصد: أن السرور بالله وقربَه وقرةَ العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحثُّ على السير إليه.
قال١: (والدرجة الثانية: مراقبة نظر الحقِّ إليك برفض المعارضة، بالإعراض٢ عن الاعتراض ونقض رعونة التعرُّض).
هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبةٌ لصفةٍ خاصَّةٍ معيَّنةٍ، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رَفضُ معارضةِ أمره وخبره، فيتجرّد الباطن من كلِّ شهوةٍ تعارض أمره، وإرادةٍ تعارض إرادته، ومن٣ كلِّ شبهةٍ تعارض خبره، ومن كلِّ محبَّةٍ تزاحم محبَّته. وهذا حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به. وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقرَّبين العارفين، وكلُّ تجريدٍ سوى هذا فناقصٌ، وهذا تجريد أرباب العزائم.
ثم بيَّن الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد، فقال: (بالإعراض عن الاعتراض)، فإنَّ المعارضة تتولَّد من الاعتراض. والاعتراض ثلاثة أنواعٍ سارية في الناس، والمعصوم من عصمه الله منها:
النوع الأوَّل: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة التي يسمِّيها
(١) «المنازل» (ص ٢٩).
(٢) في مطبوعة «المنازل»: «وبالإعراض» بالعطف على ما قبله. والمثبت من النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ١٧٠)، وعليه شرحه المؤلف.