والقصد: أن السرور بالله وقربَه وقرةَ العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحثُّ على السير إليه.
قال١: (والدرجة الثانية: مراقبة نظر الحقِّ إليك برفض المعارضة، بالإعراض٢ عن الاعتراض ونقض رعونة التعرُّض).
هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبةٌ لصفةٍ خاصَّةٍ معيَّنةٍ، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رَفضُ معارضةِ أمره وخبره، فيتجرّد الباطن من كلِّ شهوةٍ تعارض أمره، وإرادةٍ تعارض إرادته، ومن٣ كلِّ شبهةٍ تعارض خبره، ومن كلِّ محبَّةٍ تزاحم محبَّته. وهذا حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به. وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقرَّبين العارفين، وكلُّ تجريدٍ سوى هذا فناقصٌ، وهذا تجريد أرباب العزائم.
ثم بيَّن الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد، فقال: (بالإعراض عن الاعتراض)، فإنَّ المعارضة تتولَّد من الاعتراض. والاعتراض ثلاثة أنواعٍ سارية في الناس، والمعصوم من عصمه الله منها:
النوع الأوَّل: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة التي يسمِّيها
(١) «المنازل» (ص ٢٩).
(٢) في مطبوعة «المنازل»: «وبالإعراض» بالعطف على ما قبله. والمثبت من النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ١٧٠)، وعليه شرحه المؤلف.
(٣) واو العطف ساقطة من الأصل، ل، م.
أربابُها قواطعَ عقليَّة، وهي في الحقيقة خيالاتٌ جهليَّة ومُحالاتٌ ذهنيَّة، اعترضوا بها على أسمائه ﷿ وصفاته، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجْلِها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، وأثبتوا ما نفاه، ووالَوا بها أعداءَه، وعادَوا بها أولياءه، وحرَّفوا بها الكلم عن مواضعه، وتركوا لها نصيبًا كبيرًا ممَّا ذكِّروا به، وتقطَّعوا لها أمرَهم بينهم زبرًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.
والعاصم من هذا الاعتراض: التسليم المحض للوحي. فإذا سلَّم له القلب رأى صحَّة ما جاء به وأنَّه الحقُّ بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان، ليس كمن الحَرْبُ قائمٌ بين سمعه وعقله١ وفطرته.
النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواعٍ:
أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم، المتضمِّنةِ تحليلَ ما حرَّمه الله، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجبه، وإيجابَ ما أسقطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطله، واعتبارَ ما ألغاه، وإلغاءَ ما اعتبره، وتقييدَ ما أطلقه، وإطلاقَ ما قيَّده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتَّفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها والتّحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذَّروا منهم٢.
النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق