أربابُها قواطعَ عقليَّة، وهي في الحقيقة خيالاتٌ جهليَّة ومُحالاتٌ ذهنيَّة، اعترضوا بها على أسمائه ﷿ وصفاته، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجْلِها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، وأثبتوا ما نفاه، ووالَوا بها أعداءَه، وعادَوا بها أولياءه، وحرَّفوا بها الكلم عن مواضعه، وتركوا لها نصيبًا كبيرًا ممَّا ذكِّروا به، وتقطَّعوا لها أمرَهم بينهم زبرًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.
والعاصم من هذا الاعتراض: التسليم المحض للوحي. فإذا سلَّم له القلب رأى صحَّة ما جاء به وأنَّه الحقُّ بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان، ليس كمن الحَرْبُ قائمٌ بين سمعه وعقله١ وفطرته.
النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواعٍ:
أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم، المتضمِّنةِ تحليلَ ما حرَّمه الله، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجبه، وإيجابَ ما أسقطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطله، واعتبارَ ما ألغاه، وإلغاءَ ما اعتبره، وتقييدَ ما أطلقه، وإطلاقَ ما قيَّده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتَّفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها والتّحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذَّروا منهم٢.
النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق
(١) ش: «قلبه».
(٢) الأصل، ل: «عنهم».
والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمِّنةِ شرعَ دينٍ لم يأذن به الله، وإبطالَ دينه الذي شرعه على لسان رسوله ﷺ، والتعوُّضَ١ عن حقائق الإيمان بخُدَع الشيطان وحظوظ النُّفوس.
والعجب أنَّ أربابها ينكرون على أهل الحظوظ، وكلُّ ما هم فيه فحظٌّ ولكن حظٌّ٢ تضمَّن مخالفةَ مراد الله، والإعراضَ عن دينه، واعتقادَ أنَّه قربةٌ إلى الله؛ فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات، المعترفين بذمِّها٣، المستغفرين منها، المقرِّين بنقصهم وعيبهم، وأنَّها منافيةٌ للدِّين؟
وهؤلاء في حظوظٍ اتَّخذوها دينًا، وقدَّموها على شرع الله ودينه، واجتالوا بها القلوب، واقتطعوها عن طريق الله؛ فتولَّد من معقول أولئك، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة، وأذواق هؤلاء= خرابُ العالم، وفسادُ الوجود، وهدمُ قواعد الدِّين، وتفاقَمَ الأمرُ، وكاد٤، لولا أنَّ الله ضَمِن أنَّه لا يزال يقوم به مَن يحفظه ويبيِّن معالمه ويحميه مِن كيد مَن كاده ــ.
النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسِّياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها شرعَه وعدلَه وحدودَه.
فقال الأوَّلون: إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا العقل. وقال الآخرون:
(١) ع: «والتعويض».
(٢) ع: «حظُّهم».
(٣) ش: «بذنبها».
(٤) كذا في الأصل، دون ذكر اسم (كاد) وخبره، وهو مفهوم من جملة «لولا ...»، أي كاد الدين ينهدم وتندرس معالمه لولا أن الله ضمن ... إلخ.