والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمِّنةِ شرعَ دينٍ لم يأذن به الله، وإبطالَ دينه الذي شرعه على لسان رسوله ﷺ، والتعوُّضَ١ عن حقائق الإيمان بخُدَع الشيطان وحظوظ النُّفوس.
والعجب أنَّ أربابها ينكرون على أهل الحظوظ، وكلُّ ما هم فيه فحظٌّ ولكن حظٌّ٢ تضمَّن مخالفةَ مراد الله، والإعراضَ عن دينه، واعتقادَ أنَّه قربةٌ إلى الله؛ فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات، المعترفين بذمِّها٣، المستغفرين منها، المقرِّين بنقصهم وعيبهم، وأنَّها منافيةٌ للدِّين؟
وهؤلاء في حظوظٍ اتَّخذوها دينًا، وقدَّموها على شرع الله ودينه، واجتالوا بها القلوب، واقتطعوها عن طريق الله؛ فتولَّد من معقول أولئك، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة، وأذواق هؤلاء= خرابُ العالم، وفسادُ الوجود، وهدمُ قواعد الدِّين، وتفاقَمَ الأمرُ، وكاد٤، لولا أنَّ الله ضَمِن أنَّه لا يزال يقوم به مَن يحفظه ويبيِّن معالمه ويحميه مِن كيد مَن كاده ــ.
النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسِّياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها شرعَه وعدلَه وحدودَه.
فقال الأوَّلون: إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا العقل. وقال الآخرون:
(١) ع: «والتعويض».
(٢) ع: «حظُّهم».
(٣) ش: «بذنبها».
(٤) كذا في الأصل، دون ذكر اسم (كاد) وخبره، وهو مفهوم من جملة «لولا ...»، أي كاد الدين ينهدم وتندرس معالمه لولا أن الله ضمن ... إلخ.
إذا تعارض الأثر والقياس قدَّمنا القياس. وقال أصحاب الذوق١ إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع، قدَّمنا الذوق٢ والكشف. وقال أصحاب السِّياسة: إذا تعارضت السِّياسة والشرع قدَّمنا السِّياسة.
فجعلت٣ كلُّ طائفةٍ قُبالة دينِ الله وشرعِه طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب أخبارٍ وآثار ونحن أصحاب أقيسةٍ وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقيقة. والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السِّياسة.
فيا لها بليَّةً عمَّت فأعمت، ورزيَّةً رَمَتْ فأَصْمَتْ، وفتنةً دعت القلوب فأجابها كلُّ قلبٍ مفتونٍ، وأهويةً عصفت فصَمَّت منها الآذان وعَمِيت منها العيون!
عطِّلت لها واللهِ معالمُ الأحكام، كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام، واستند لأجلها٤ كلُّ قومٍ إلى ظُلَمِ آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويلٍ، والدِّينُ وقفًا على كلِّ إفسادٍ وتبديل.
النوع الثالث٥: الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره. وهذا اعتراض
(١) زاد في ع: «والوجد والكشف».
(٢) في ع زيادة: «والوجد».
(٣) ع: «فجعل».
(٤) ع: «لها».
(٥) ع: «النوع الرابع»، خطأ. والمراد: النوع الثالث من أنواع الاعتراض من حيث المعتَرَض عليه، والأنواع الثلاثة السابقة كانت من حيث المعتَرَض به، وهي مندرجة تحت الثاني: الاعتراض على شرعه.