مدارج السالكين

إذا تعارض الأثر والقياس قدَّمنا القياس. وقال أصحاب الذوق١ إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع، قدَّمنا الذوق٢ والكشف. وقال أصحاب السِّياسة: إذا تعارضت السِّياسة والشرع قدَّمنا السِّياسة.

فجعلت٣ كلُّ طائفةٍ قُبالة دينِ الله وشرعِه طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب أخبارٍ وآثار ونحن أصحاب أقيسةٍ وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقيقة. والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السِّياسة.

فيا لها بليَّةً عمَّت فأعمت، ورزيَّةً رَمَتْ فأَصْمَتْ، وفتنةً دعت القلوب فأجابها كلُّ قلبٍ مفتونٍ، وأهويةً عصفت فصَمَّت منها الآذان وعَمِيت منها العيون!

عطِّلت لها واللهِ معالمُ الأحكام، كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام، واستند لأجلها٤ كلُّ قومٍ إلى ظُلَمِ آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويلٍ، والدِّينُ وقفًا على كلِّ إفسادٍ وتبديل.

النوع الثالث٥: الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره. وهذا اعتراض

  1. (١) زاد في ع: «والوجد والكشف».
  2. (٢) في ع زيادة: «والوجد».
  3. (٣) ع: «فجعل».
  4. (٤) ع: «لها».
  5. (٥) ع: «النوع الرابع»، خطأ. والمراد: النوع الثالث من أنواع الاعتراض من حيث المعتَرَض عليه، والأنواع الثلاثة السابقة كانت من حيث المعتَرَض به، وهي مندرجة تحت الثاني: الاعتراض على شرعه.
313

الجهَّال. وهو ما بين جليٍّ وخفيٍّ، وهو أنواعٌ لا تحصى، وهو سارٍ في النُّفوس سَرَيان الحمَّى في بدن المحموم.

ولو تأمَّل العبدُ كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله، لرأى ذلك في قلبه عِيانًا، فكلُّ نفسٍ معترضةٌ على قَدَر الله وقَسْمه وأفعاله، إلَّا نفسًا قد اطمأنَّت إليه وعرفته حقَّ المعرفة التي يمكن وصولُ البشر إليها، فتلك حظُّها التسليمُ والانقيادُ والرِّضا كلُّ الرِّضاء.

وأمَّا (نقض رعونة التعرُّض)، فيشير به إلى معنًى آخر، لا تتمُّ المراقبة عنده إلَّا بنقضه، وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حالَ المراقبة والحضورِ١ مع الله، فإنَّ ذلك تعرُّضٌ منه لحجاب الحقِّ له عن كمال الشُّهود، لأنَّ بقاء العبد مع مداركه وحواسِّه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة هو تعرُّضٌ للحجاب، فينبغي أنّ تتخلَّص٢ مراقبةُ نظر الحقِّ إليك من هذه الآفات. وذلك يحصل بالاستغراق في الذِّكر، فتَذْهَل به عن نفسك وعمَّا منك، لتكون بذلك متهيِّئًا مستعدًّا للفناء عن وجودك وعن وجود كلِّ ما سوى المذكور سبحانه.

وهذا التهَيِّي٣ والاستعداد لا يكون إلا بنقض تلك الرُّعونة. والذِّكر

  1. (١) في النسخ عدا ج، ن، ع: «الخضوع»، تصحيف.
  2. (٢) م، ش: «تخلص».
  3. (٣) كذا رسمه في النسخ. أي: التهيُّؤ، صاغه على زنة (التمنِّي) بعد تسهيل همزته. وله نظائر في كتب المؤلف. انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٣٠٢) و«أعلام الموقعين» (٤/ ٤٢٥ - الهامش).
314

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي