مدارج السالكين

الجهَّال. وهو ما بين جليٍّ وخفيٍّ، وهو أنواعٌ لا تحصى، وهو سارٍ في النُّفوس سَرَيان الحمَّى في بدن المحموم.

ولو تأمَّل العبدُ كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله، لرأى ذلك في قلبه عِيانًا، فكلُّ نفسٍ معترضةٌ على قَدَر الله وقَسْمه وأفعاله، إلَّا نفسًا قد اطمأنَّت إليه وعرفته حقَّ المعرفة التي يمكن وصولُ البشر إليها، فتلك حظُّها التسليمُ والانقيادُ والرِّضا كلُّ الرِّضاء.

وأمَّا (نقض رعونة التعرُّض)، فيشير به إلى معنًى آخر، لا تتمُّ المراقبة عنده إلَّا بنقضه، وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حالَ المراقبة والحضورِ١ مع الله، فإنَّ ذلك تعرُّضٌ منه لحجاب الحقِّ له عن كمال الشُّهود، لأنَّ بقاء العبد مع مداركه وحواسِّه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة هو تعرُّضٌ للحجاب، فينبغي أنّ تتخلَّص٢ مراقبةُ نظر الحقِّ إليك من هذه الآفات. وذلك يحصل بالاستغراق في الذِّكر، فتَذْهَل به عن نفسك وعمَّا منك، لتكون بذلك متهيِّئًا مستعدًّا للفناء عن وجودك وعن وجود كلِّ ما سوى المذكور سبحانه.

وهذا التهَيِّي٣ والاستعداد لا يكون إلا بنقض تلك الرُّعونة. والذِّكر

  1. (١) في النسخ عدا ج، ن، ع: «الخضوع»، تصحيف.
  2. (٢) م، ش: «تخلص».
  3. (٣) كذا رسمه في النسخ. أي: التهيُّؤ، صاغه على زنة (التمنِّي) بعد تسهيل همزته. وله نظائر في كتب المؤلف. انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٣٠٢) و«أعلام الموقعين» (٤/ ٤٢٥ - الهامش).
314

يوجب الغيبة عن الحسِّ، فمن كان ذاكرًا لنظر الحقِّ إليه مراقبًا له١، ثمَّ أحسَّ بشيءٍ من حديث نفسه وخواطره وأفكاره، فقد تعرَّض واستدعى عوالم نفسه واحتجابَ المذكور عنه، لأنَّ حضرة الحقِّ سبحانه لا يكون فيها غيره.

وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلَّا بملكةٍ قويَّةٍ من الذِّكر وجمعِ القلب فيه بكلِّيَّته على الله ﷿.

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: مراقبةُ الأزل بمطالعة عين السبق استقبالًا لعَلَم التوحيد، ومراقبةُ ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد، ومراقبةُ الإخلاص٣ من ورطة المراقبة).

قوله: (مراقبة الأزل) أي شهود معنى الأزل، وهو القِدَم الذي لا أوَّل له.

(بمطالعة عين السبق) أي بشهود سبق الحقِّ تعالى لكلِّ ما سواه، إذ هو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ. فمتى طالع القلب عينَ هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته، فبدا له حينئذٍ عَلَم التوحيد، فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش، ورُفع له فشمَّر إليه، وهو شهوده انفرادَ الحقِّ

  1. (١) «مراقبًا له» تصحَّف في ش إلى «من إقباله»، وكذا في ع وجميع المطبوعات بزيادة «عليه» بعده.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٢٩).
  3. (٣) ش: «الخلاص»، وكذا في «المنازل». والمثبت من سائر النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ١٧٢).
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي