مدارج السالكين

يوجب الغيبة عن الحسِّ، فمن كان ذاكرًا لنظر الحقِّ إليه مراقبًا له١، ثمَّ أحسَّ بشيءٍ من حديث نفسه وخواطره وأفكاره، فقد تعرَّض واستدعى عوالم نفسه واحتجابَ المذكور عنه، لأنَّ حضرة الحقِّ سبحانه لا يكون فيها غيره.

وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلَّا بملكةٍ قويَّةٍ من الذِّكر وجمعِ القلب فيه بكلِّيَّته على الله ﷿.

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: مراقبةُ الأزل بمطالعة عين السبق استقبالًا لعَلَم التوحيد، ومراقبةُ ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد، ومراقبةُ الإخلاص٣ من ورطة المراقبة).

قوله: (مراقبة الأزل) أي شهود معنى الأزل، وهو القِدَم الذي لا أوَّل له.

(بمطالعة عين السبق) أي بشهود سبق الحقِّ تعالى لكلِّ ما سواه، إذ هو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ. فمتى طالع القلب عينَ هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته، فبدا له حينئذٍ عَلَم التوحيد، فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش، ورُفع له فشمَّر إليه، وهو شهوده انفرادَ الحقِّ

  1. (١) «مراقبًا له» تصحَّف في ش إلى «من إقباله»، وكذا في ع وجميع المطبوعات بزيادة «عليه» بعده.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٢٩).
  3. (٣) ش: «الخلاص»، وكذا في «المنازل». والمثبت من سائر النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ١٧٢).
315

بأزليَّته وحده، وأنَّه كان ولم يكن شيءٌ غيره البتَّة، وكلُّ ما سواه فكائنٌ١ بعد عدمه. فإذا عدمت الكائنات من شهوده، كما كانت معدومةً في الأزل، فطالع عين السبق، وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن= فقد استقبل (عَلَم التوحيد).

وأمَّا (مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد)، فقد تقدَّم٢ أنَّ ما يظهر في الأبد هو عين ما كان معلومًا في الأزل، وأنَّه إنَّما٣ تجدَّدت أحايينه، وهي أوقات ظهوره؛ فقد ظهرت إشارات الأزل ــ وهي ما يشير إليه العقل بالأزليَّة من المقدَّرات العلميَّة ــ على أحايين الأبد.

هذا معناه الصحيح عندي. والقوم يريدون به معنًى آخر وهو اتِّصال الأبد بالأزل في الشُّهود، وذلك بأن يطوي بساط الكائنات عن شهوده طيًّا كلِّيًّا، ويشهد استمرار وجود الحقِّ سبحانه وحده مجرَّدًا عن كلِّ ما سواه، فيتصل بهذا الشُّهود الأزلُ بالأبد ويصيران شيئًا واحدًا، وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كلِّ حادثٍ.

والشُّهود الأوّل أكمل وأتمُّ، وهو متعلِّقٌ بأسمائه وصفاته، وتقدُّمِ علمه بالأشياء ووقوعِها في الأبد مطابقةً لعلمه الأزليِّ، فهذا الشُّهود يعطي إيمانًا ومعرفةً، وإثباتًا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر.

  1. (١) في ع زيادة: «بتكوينه».
  2. (٢) (ص ١٦٨).
  3. (٣) كذا في النسخ. وأخشى أن يكون تصحيفًا عن: «إذا»، وهو مقتضى السياق، ليكون «فقد ظهرت ...» الآتي جوابًا.
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي