بأزليَّته وحده، وأنَّه كان ولم يكن شيءٌ غيره البتَّة، وكلُّ ما سواه فكائنٌ١ بعد عدمه. فإذا عدمت الكائنات من شهوده، كما كانت معدومةً في الأزل، فطالع عين السبق، وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن= فقد استقبل (عَلَم التوحيد).
وأمَّا (مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد)، فقد تقدَّم٢ أنَّ ما يظهر في الأبد هو عين ما كان معلومًا في الأزل، وأنَّه إنَّما٣ تجدَّدت أحايينه، وهي أوقات ظهوره؛ فقد ظهرت إشارات الأزل ــ وهي ما يشير إليه العقل بالأزليَّة من المقدَّرات العلميَّة ــ على أحايين الأبد.
هذا معناه الصحيح عندي. والقوم يريدون به معنًى آخر وهو اتِّصال الأبد بالأزل في الشُّهود، وذلك بأن يطوي بساط الكائنات عن شهوده طيًّا كلِّيًّا، ويشهد استمرار وجود الحقِّ سبحانه وحده مجرَّدًا عن كلِّ ما سواه، فيتصل بهذا الشُّهود الأزلُ بالأبد ويصيران شيئًا واحدًا، وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كلِّ حادثٍ.
والشُّهود الأوّل أكمل وأتمُّ، وهو متعلِّقٌ بأسمائه وصفاته، وتقدُّمِ علمه بالأشياء ووقوعِها في الأبد مطابقةً لعلمه الأزليِّ، فهذا الشُّهود يعطي إيمانًا ومعرفةً، وإثباتًا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر.
(١) في ع زيادة: «بتكوينه».
(٢) (ص ١٦٨).
(٣) كذا في النسخ. وأخشى أن يكون تصحيفًا عن: «إذا»، وهو مقتضى السياق، ليكون «فقد ظهرت ...» الآتي جوابًا.
وأمَّا الشُّهود الثاني فلا يعطي صاحبَه معرفةً ولا إيمانًا، ولا إثباتًا لاسمٍ ولا صفةٍ، ولا عبوديَّةٍ نافعة، وهو أمرٌ مشترَك يشهده كلُّ من أقرَّ بالصانع، من مسلمٍ وكافرٍ. فإذا استغرق في شهود أزليَّته وتفرُّدِه بالقدم، وغاب عن الكائنات، اتَّصل في شهوده الأزل بالأبد؛ فأيُّ كبير أمرٍ في هذا؟! وأيُّ إيمانٍ ويقينٍ يحصل به؟ ونحن لا ننكر ذوقَه ولا نقدح في وجوده، وإنَّما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة، بحيث يكون لخاصَّة الخاصَّة وما قبلَه لمن هو دونهم، فهذا عين الوهم. والله الموفِّق.
فإذا اتَّصل في شهود الشاهدِ الأزلُ الذي لا بداية له بالأزمنة التي يُعقَل لها بدايةٌ ــ وهي أزمنة الحوادث ــ ثمَّ اتَّصل ذلك بما لا نهاية له، بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدًا، لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل، وذلك لا يكون إلَّا إذا شهد فناءَ الحوادث فناءً مطلقًا وعدمَها عدمًا كلِّيًّا= وذلك١ تقدير وهميٌّ مخالف للواقع، وهو تجريد خياليٌّ يوقعه٢ في بحرٍ طامسٍ لا ساحل له، وليلٍ دامسٍ لا فجر له.
فأين هذا من مشهد تنوُّع الأسماء والصِّفات، وتعلُّقها بأنواع الكائنات، وارتباطها بجميع الحادثات، وإعطاءِ كلِّ اسمٍ منها وكلِّ صفةٍ حقَّها من الشُّهود والعبوديَّة، والنظر إلى سَرَيان آثارها في الخلق والأمر، والعالمِ العلويِّ والسُّفليِّ، والظاهرِ والباطن، ودارِ الدُّنيا ودار الآخرة، وقيامِه بالفرق والجمع في ذلك علمًا ومعرفةً وحالًا؟! وبالله المستعان.
(١) كذا في النسخ، والسياق يقتضي «فذلك» بالفاء جوابًا لـ «إذا» في أول الفقرة، ويحتمل أن يُجعَل «وذلك» في السطر السابق هو الجواب بعد قلب واوه فاءً.