مدارج السالكين

وأمَّا الشُّهود الثاني فلا يعطي صاحبَه معرفةً ولا إيمانًا، ولا إثباتًا لاسمٍ ولا صفةٍ، ولا عبوديَّةٍ نافعة، وهو أمرٌ مشترَك يشهده كلُّ من أقرَّ بالصانع، من مسلمٍ وكافرٍ. فإذا استغرق في شهود أزليَّته وتفرُّدِه بالقدم، وغاب عن الكائنات، اتَّصل في شهوده الأزل بالأبد؛ فأيُّ كبير أمرٍ في هذا؟! وأيُّ إيمانٍ ويقينٍ يحصل به؟ ونحن لا ننكر ذوقَه ولا نقدح في وجوده، وإنَّما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة، بحيث يكون لخاصَّة الخاصَّة وما قبلَه لمن هو دونهم، فهذا عين الوهم. والله الموفِّق.

فإذا اتَّصل في شهود الشاهدِ الأزلُ الذي لا بداية له بالأزمنة التي يُعقَل لها بدايةٌ ــ وهي أزمنة الحوادث ــ ثمَّ اتَّصل ذلك بما لا نهاية له، بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدًا، لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل، وذلك لا يكون إلَّا إذا شهد فناءَ الحوادث فناءً مطلقًا وعدمَها عدمًا كلِّيًّا= وذلك١ تقدير وهميٌّ مخالف للواقع، وهو تجريد خياليٌّ يوقعه٢ في بحرٍ طامسٍ لا ساحل له، وليلٍ دامسٍ لا فجر له.

فأين هذا من مشهد تنوُّع الأسماء والصِّفات، وتعلُّقها بأنواع الكائنات، وارتباطها بجميع الحادثات، وإعطاءِ كلِّ اسمٍ منها وكلِّ صفةٍ حقَّها من الشُّهود والعبوديَّة، والنظر إلى سَرَيان آثارها في الخلق والأمر، والعالمِ العلويِّ والسُّفليِّ، والظاهرِ والباطن، ودارِ الدُّنيا ودار الآخرة، وقيامِه بالفرق والجمع في ذلك علمًا ومعرفةً وحالًا؟! وبالله المستعان.

  1. (١) كذا في النسخ، والسياق يقتضي «فذلك» بالفاء جوابًا لـ «إذا» في أول الفقرة، ويحتمل أن يُجعَل «وذلك» في السطر السابق هو الجواب بعد قلب واوه فاءً.
  2. (٢) ع: «يوقع صاحبَه».
317

قوله: (ومراقبة الإخلاص١ من ورطة المراقبة)، يشير إلى فناء شهود المراقِب نفسه وما منها، وأنَّه يفنى بمن يراقبه عن نفسه وما منها. فإذا كان باقيًا بشهود مراقبته فهو في ورطتها لم يتخلَّص منها، لأنَّ شهود المراقبة لا يكون إلَّا مع بقائه٢. والمقصود إنَّما هو الفناء والتخلُّص من نفسه ومن صفاتها وما منها.

وقد عرفتَ أنَّ فوق هذا درجةً أعلى منها وأرفع وأشرف، وهي مراقبة مواقع رضا الربِّ ومساخطه في كلِّ حركةٍ، والفناء عمَّا يسخطه بما يحبُّ، والتفرُّق له به٣ وفيه، ناظرًا إلى عين جمع العبوديَّة، فانيًا عن مراده من ربِّه ــ ولو علا ــ بمراد ربِّه منه.

  1. (١) ش، ج، ن: «الخلاص». وقد سبق التنبيه عليه.
  2. (٢) ش: «بعد فنائه»، خطأ.
  3. (٣) ع: «وبه».
318

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي