قوله: (ومراقبة الإخلاص١ من ورطة المراقبة)، يشير إلى فناء شهود المراقِب نفسه وما منها، وأنَّه يفنى بمن يراقبه عن نفسه وما منها. فإذا كان باقيًا بشهود مراقبته فهو في ورطتها لم يتخلَّص منها، لأنَّ شهود المراقبة لا يكون إلَّا مع بقائه٢. والمقصود إنَّما هو الفناء والتخلُّص من نفسه ومن صفاتها وما منها.
وقد عرفتَ أنَّ فوق هذا درجةً أعلى منها وأرفع وأشرف، وهي مراقبة مواقع رضا الربِّ ومساخطه في كلِّ حركةٍ، والفناء عمَّا يسخطه بما يحبُّ، والتفرُّق له به٣ وفيه، ناظرًا إلى عين جمع العبوديَّة، فانيًا عن مراده من ربِّه ــ ولو علا ــ بمراد ربِّه منه.
✽ ✽ ✽
(١) ش، ج، ن: «الخلاص». وقد سبق التنبيه عليه.
(٢) ش: «بعد فنائه»، خطأ.
(٣) ع: «وبه».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة تعظيم حرمات الله.
قال تعالى: ﴿يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ﴾[الحج: ٣٠]. قال جماعةٌ من المفسِّرين ﵃: حرمات الله هاهنا معاصيه وما نهى عنه، وتعظيمُها ترك ملابستها. قال اللَّيث ﵀١: حرمات الله: ما لا يحلُّ انتهاكها٢. وقال قوم: الحرمات هي الأمر والنهي. قال الزجَّاج٣: الحرمة ما وجب القيام به وحَرُم التفريط فيه. وقال قوم: الحرمات هاهنا المناسك ومشاعر الحجِّ زمانًا ومكانًا٤.
والصواب: أنَّ الحرمات تعمُّ هذا كلَّه. وهي جمع حرمةٍ، وهي ما يجب احترامه وحفظُه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، فتعظيمها توفيتُها حقَّها وحفظُها من الإضاعة.
قال صاحب «المنازل» ﵀٥: (الحرمة: هي التحرُّج عن المخالفات والمجاسرات).
(١) هو الليث بن المظفر، صاحب الخليل، جامع «كتاب العين»، وقوله فيه (٣/ ٢٢٢). ونقله عنه الأزهري في «تهذيب اللغة» (٥/ ٤٤).
(٢) ع: «انتهاء كلها»، تحريف.
(٣) «معاني القرآن وإعرابه» (٣/ ٤٢٤).
(٤) الأقوال المذكورة كلها من «تفسير البغوي» (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣).