مدارج السالكين

التحرُّج: الخروج من حرج المخالفة. وبناء (تفعَّلَ) يكون للدُّخول في الشّيء، كـ (تمنَّى) إذا دخل في الأمنية، و(تولَّج في الأمر) ونحوه؛ وللخروج منه، كـ (تحرَّج) و(تحوَّب) و(تأثَّم)، إذا أراد الخروج من الحرج والحوب والإثم.

أراد أنَّ الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها. ولمَّا كان المخالف قسمين جاسرًا وهائبًا قال: (عن المخالفات والمجاسرات).

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي، لا خوفًا من العقوبة فيكونَ خصومةً للنفس، ولا طلبًا للمثوبة فيكونَ مستشرفًا٢ للأُجرة، ولا مشاهدًا لأحدٍ فيكونَ متزيِّنًا٣ بالمراياة؛ فإنَّ هذه الأوصاف كلَّها شُعَب من عبادة النفس).

هذا الموضع يكثر في٤ كلام القوم. والناس بين معظِّمٍ له ولأصحابه معتقدٍ أنَّ هذا أرفع درجات العبوديَّة٥: أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفًا من عِقابه ولا طمعًا في ثوابه، فإنَّ هذا واقفٌ مع غرضه وحظِّ نفسه، وأنَّ

  1. (١) «المنازل» (ص ٣٠).
  2. (٢) ج، ن: «مسترقًّا»، وكذا في «المنازل»، وعليه شرحه التلمساني (ص ١٧٦).
  3. (٣) لفظ مطبوعة «المنازل»: «متديِّنًا»، وعليه شرحه التلمساني.
  4. (٤) في هامش م: «فيه» مرموزًا له بـ «خ».
  5. (٥) لم يذكر المؤلف هنا الفئة المقابلة من الناس، وسيأتي ذكرهم في الفصل القادم، والتقدير: أن الناس بين معظِّم له ولأصحابه .... وبين منكرٍ عليهم جاعلٍ ذلك من شطحات القوم ورعوناتهم.
320

المحبَّة تأبى ذلك، فإنَّ المحبَّ لا حظَّ له مع محبوبه، فوقوفه مع حظِّه علَّةٌ في محبَّته. وأنَّ طمعه في الثواب تطلُّعٌ إلى أنَّه يستحقُّ بعمله على الله أُجرةً، ففي هذا آفتان: تطلُّعه إلى الأُجرة، وإحسان ظنِّه بعمله، إذ تطلُّعه إلى استحقاق الأجرِ به١، وخوفُه من العقاب= خصومةٌ للنَّفس، فإنَّه لا يزال يخاصمها إذا خالفت٢ ويقول: أَما تخافين النَّار وعذابَها وما أعدَّ الله لأهلها؟! فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه٣.

ومن وجهٍ آخرَ أيضًا: وهو أنَّه كالمخاصم عن نفسه، المدافع عنها لخصمه الذي يريد هلاكه، وهو عين الاهتمام بالنَّفس والالتفاتِ إلى حظوظها مخاصمةً عنها واستدعاءً لها ما تلتذُّ به.

ولا يخلِّصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف إلَّا تجريدُ القيام بالأمر والنهي من كلِّ علَّةٍ، بل يقوم به تعظيمًا للآمر الناهي، وأنَّه أهلٌ أن يعبد وتعظَّمَ حرماتُه ولو لم يخلق جنةً ولا نارًا، فهو يستحقُّ العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، كما في الأثر الإسرائيليِّ: «لو لم أخلق جنةً ولا نارًا، أما كنتُ أهلًا أن أُعبَد؟»٤.

  1. (١) ش: «استحقاق الأجرة».
  2. (٢) ش: «خالفته».
  3. (٣) هذا ما فسَّره به التلمساني (ص ١٧٦)، لكنه مخالف لمقصود الماتن، لأنه قال في آخره: «هذه الأوصاف كلَّها شُعَب من عبادة النفس»، وليس مخاصمته للنفس من عبادتها في شيء، وإنما يكون ذلك إذا خاصم عنها ودافع عنها. والظاهر أن المؤلف أدرك ذلك فأتبعه بالتفسير الآتي.
  4. (٤) ذكره في «قوت القلوب» (٢/ ٥٦) على أنه نقله وهب بن منبه من الزبور.
321

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي