هَبِ البعثَ لم تأتنا رُسْلُهوجاحِمةُ النار لم تُضْرَمِ
أليس من الواجب المُستَحَقّْعلى ذي الورى الشُّكرُ للمنعم
فالنُّفوس العليَّة الزكيَّة تعبده لأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ويُجَلَّ ويحبَّ ويعظَّم، فهو لذاته مستحقٌّ للعبادة.
قالوا: ولا يكون العبد كأجير السوء، إن أُعطي أجرَه عمل وإلَّا٢ لم يعمل، فهذا عبد الأُجرة لا عبد المحبَّة والإرادة.
قالوا: والعمَّال شاخصون إلى منزلتين: منزلة الأجرة، ومنزلة القربة٣ من المطاع. قال تعالى في حقِّ نبيِّه داود ﷺ: ﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ٢٥ يَادَاوُودُ﴾[ص: ٢٥]، فالزُّلفى منزلة القرب، وحسن المآب حسن الثواب والجزاء.
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[يونس: ٢٦]، فالحسنى الجزاء، والزِّيادة منزلة القربة٤، ولهذا فسِّرت بالنظر إلى وجه الله ﷿٥.
(١) البيت الأول للوزير الحسن بن محمد المُهلَّبي (ت ٣٥٢) كما في «يتيمة الدهر» (٢/ ٢٤٠)، والثاني عنده: أليس بكافٍ لذي فكرةٍ ... حياءُ المسيء من المُنعم وأنشدهما ابن الجوزي في «المدهش» (ص ٤٩٤) والمؤلف أيضًا في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١٠٨٢) باختلاف الشطر الرابع.
قالوا: فالعارفون عملهم على المنزلة والدَّرجة، والعمَّال عملهم على الثواب والأجرة، وشتَّان ما بينهما!
فصل
وطائفةٌ ثانيةٌ تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم. وتحتجُّ بأحوال الأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين، ودعائهم وسؤالهم، والثَّناء عليهم١ بخوفهم من النار ورجائهم للجنَّة، كما قال تعالى في حقِّ خواصِّ عباده الذين عبدهم المشركون: إنَّهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدَّم٢.
وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ٨٩ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾[الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]، أي رغبًا فيما عندنا ورهبًا من عذابنا. والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ