مدارج السالكين

وهذان هما اللَّذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى، فقالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢].

وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].

قالوا: فالعارفون عملهم على المنزلة والدَّرجة، والعمَّال عملهم على الثواب والأجرة، وشتَّان ما بينهما!

فصل

وطائفةٌ ثانيةٌ تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم. وتحتجُّ بأحوال الأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين، ودعائهم وسؤالهم، والثَّناء عليهم١ بخوفهم من النار ورجائهم للجنَّة، كما قال تعالى في حقِّ خواصِّ عباده الذين عبدهم المشركون: إنَّهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدَّم٢.

وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ٨٩ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]، أي رغبًا فيما عندنا ورهبًا من عذابنا. والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ

  1. (١) «والثناء عليهم» ساقط من ع.
  2. (٢) في آية الإسراء (ص ٢٥٩).
323

على الأنبياء المذكورين في هذه السُّورة عند عامَّة المفسِّرين١. والرَّغَب والرَّهَب: رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين.

وذكر سبحانه عباده الذين هم خواصُّه٢، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل منها استعاذتَهم به من النار فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ٦٦﴾ [الفرقان: ٦٥ - ٦٦].

وأخبر عنهم أنَّهم توسَّلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، فجعلوا أعظم وسائلهم إليه ــ وسيلةَ الإيمان ــ أن ينجيهم من النار.

وأخبر تعالى عن العارفين٣ أولي الألباب والفكر أنَّهم كانوا يسألونه جنَّته ويتعوَّذون به من ناره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا

  1. (١) هو قول البغوي في «تفسيره» (٥/ ٣٥٣) ولم ينسبه إلى أحد. وقال الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٣٨٩) أن الضمير عائد إلى زكريا وزوجه ويحيى فقط. وذكر ابن الجوزي القولين في «زاد المسير» (٥/ ٣٨٥). وأما قول المؤلف: «عند عامَّة المفسرين»، فأخشى أن يكون انتقل نظره إلى السطر الذي قبله في «تفسير البغوي» حيث قال فيه بعد ذكر تفسير ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾: «قاله أكثر المفسرين».
  2. (٢) ع: «خواصُّ خلقه».
  3. (٣) ع: «سادات العارفين».
324

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي