قالوا: فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولًا ورسولُ الله ﷺ يحرِّض عليه؟! ويقول: «من فعل كذا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية»١، و«من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلةٌ في الجنَّة»٢، و«من كسا مسلمًا على عُرْيٍ كساه الله من حُلَل الجنَّة»٣، و«عائد المريض في خُرْفة الجنَّة»٤، والحديث مملوءٌ من ذلك. أفتراه يحرِّض الأمة٥ على مطلبٍ معلولٍ ناقصٍ، ويدع المطلب العالي البريءَ من شوائب العلل لا يحرِّضهم عليه؟!
(١) كما في فضل الذكر عقب الوضوء عند مسلم (٢٣٤) عن عمر ﵁.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٦٤، ٣٤٦٥) وابن حبان (٨٢٦) والحاكم (١/ ٥١٢) وغيرهم من حديث أبي الزبير عن جابر. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر: «الصحيحة» (٦٤).
(٣) أخرجه أحمد (١١١٠١) والترمذي (٢٤٤٩) وأبو يعلى (١١١١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٠٩٨) من طريقين عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وعطية فيه لين. قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوفًا، وهو أصح عندنا وأشبه». وقال أبو حاتم ــ كما في «العلل» لابنه (٢٠٠٧) ــ: «الصحيح موقوف؛ الحفاظ لا يرفعونه». وأخرجه أبو داود (١٦٨٢) ــ ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبير» (٤/ ١٨٥) ــ بإسناد فيه لين عن نُبيحٍ عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٦٨) من حديث ثوبان.
(٥) ع: «المؤمنين».
قالوا: وأيضًا فإنه سبحانه يحبُّ من عباده أن يسألوه جنَّته ويستعيذوه من ناره، فإنّه يحبُّ أن يسأل، ومن لم يسأله يغضَبْ عليه، وأعظم ما سئل الجنَّةُ وأعظم ما استعيذ به منه النار. فالعمل لطلب الجنة محبوبٌ للربِّ مرضيٌّ له، وطلبها عبودية للربِّ، والقيام بعبوديَّته كلِّها أولى من تعطيل بعضها.
قالوا: وإذا خلا العامل عن ملاحظة الجنَّة والنار، وطلبِ الجنَّة ورجائها١ = فترت عزائمه، وضَعُفت همَّته، و٢ وَهَى باعثُه. وكلَّما كان أشدَّ طلبًا للجنة وعملًا لها كان الباعث له أقوى، والهمَّةُ أشدَّ، والسعيُ أتمَّ. وهذا أمر معلوم بالذَّوق.
قالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبًا للشارع لما وصف الجنَّة للعباد وزيَّنها لهم وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملًا. كلُّ هذا تشويقًا لهم إليها، وحثًّا لهم على السعي لها سعيَها.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ﴾[يونس: ٢٥]. وهذا حثٌّ على إجابة هذه الدعوة والمبادرةِ إليها والمسارعةِ في الإجابة.
والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسمًا لمجرَّد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور. وأكثر الناس يغلطون في مسمَّى الجنَّة، فإنَّ الجنّة اسمٌ لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنَّة: التمتُّع بالنظر إلى وجه الرب وسماعِ كلامه، وقرَّةُ العين بالقرب منه
(١) السياق في ع: «عن ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه».