قالوا: وأيضًا فإنه سبحانه يحبُّ من عباده أن يسألوه جنَّته ويستعيذوه من ناره، فإنّه يحبُّ أن يسأل، ومن لم يسأله يغضَبْ عليه، وأعظم ما سئل الجنَّةُ وأعظم ما استعيذ به منه النار. فالعمل لطلب الجنة محبوبٌ للربِّ مرضيٌّ له، وطلبها عبودية للربِّ، والقيام بعبوديَّته كلِّها أولى من تعطيل بعضها.
قالوا: وإذا خلا العامل عن ملاحظة الجنَّة والنار، وطلبِ الجنَّة ورجائها١ = فترت عزائمه، وضَعُفت همَّته، و٢ وَهَى باعثُه. وكلَّما كان أشدَّ طلبًا للجنة وعملًا لها كان الباعث له أقوى، والهمَّةُ أشدَّ، والسعيُ أتمَّ. وهذا أمر معلوم بالذَّوق.
قالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبًا للشارع لما وصف الجنَّة للعباد وزيَّنها لهم وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملًا. كلُّ هذا تشويقًا لهم إليها، وحثًّا لهم على السعي لها سعيَها.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ﴾[يونس: ٢٥]. وهذا حثٌّ على إجابة هذه الدعوة والمبادرةِ إليها والمسارعةِ في الإجابة.
والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسمًا لمجرَّد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور. وأكثر الناس يغلطون في مسمَّى الجنَّة، فإنَّ الجنّة اسمٌ لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنَّة: التمتُّع بالنظر إلى وجه الرب وسماعِ كلامه، وقرَّةُ العين بالقرب منه
(١) السياق في ع: «عن ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه».
(٢) واو العطف ساقطة من جميع النسخ عدا ع.
ورضوانِه. فلا نسبة لِلَذَّةِ ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصُّور إلى هذه اللَّذَّة أبدًا، فأيسر يسيرٍ من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾[التوبة: ٧٢]، وأتى به منكَّرًا في سياق الإثبات، أي: أيُّ شيءٍ كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنَّة.
قليلٌ منك يقنعني ولكنقليلك لا يقال له قليلُ١
وفي الحديث الصحيح حديث الرُّؤية: «فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى وجهه»٢. وفي حديثٍ آخرَ أنَّه سبحانه إذا تجلَّى لهم ورأوا وجهَه عِيانًا، نَسُوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه، ولم يلتفتوا إليه٣. ولا ريب أنّ الأمر هكذا. وهو أجلُّ ممَّا يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيَّما عند فوز المحبِّين هناك بمعيّة المحبَّة، فإنَّ المرء مع مَن أحبَّ٤، ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابتٌ شاهدًا وغائبًا.
فأيُّ نعيم، وأيُّ لذَّةٍ، وأيُّ قرَّةِ عينٍ، وأيُّ فوزٍ يداني نعيم تلك المعيَّةِ ولذَّتَها وقرَّةَ العين بها؟ وهل فوق نعيم قرَّةِ العين بمعيَّة المحبوب الذي لا
(١) البيت بلا نسبة في «الإبانة» للعميدي (ص ٣٦)، و«الصبح المنبي» (ص ٢١٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٨١) من حديث صهيب بنحوه، واللفظ أشبه برواية أحمد (١٨٩٤١) والترمذي (٢٥٥٢).
(٣) روي ذلك من حديث جابر عند ابن ماجه (١٨٤) بإسناد واهٍ، ومن حديث ابن عمر عند عبد بن حُميد في «مسنده» (٨٥١) وعثمان الدارمي في «النقض على المريسي» (ص ٢٢٩) بإسناد مُعضَل. وفي الباب قول الحسن البصري موقوفًا عليه، أخرجه الآجُرِّي في «الشريعة» (٥٧٢).
(٤) كما في حديث ابن مسعود عند البخاري (٦١٦٩) ومسلم (٢٦٤٠).