مدارج السالكين

السرِّ. مثال ذلك: رجلٌ مضرورٌ سأل قومًا ما هو محتاجٌ إليه، فعلم رجلٌ منهم أنَّه إن أعطاه سرًّا حيث لا يراه أحدٌ لم يقتدِ به أحدٌ ولم يحصل له سوى تلك العطيَّة، وأنَّه إن أعطاه جهرًا اقتُدي به واتُّبع، وأنف الحاضرون من تفرُّده عنهم بالعطيَّة، فجهر له بالعطاء، وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين؛ فهذه مراياة محمودة، حيث لم يكن الباعث عليها قصدَ التعظيم والثناء، وصاحبُها جديرٌ بأن يحصل له مثلُ أجور أولئك المعطين.

قوله: (فإنَّ هذه الأوصاف كلها من شُعَب عبادة النفس)، يعني أنَّ الخائف مشتغل بحفظ نفسه من العذاب، ففيه عبادة لنفسه، إذ هو متوجِّه إليها. وطالب المثوبة متوجِّهٌ إلى طلب حظِّ نفسه، وذلك شعبة من عبوديَّتها. والمشاهدُ للناس في عبادته فيه شعبةٌ من عبوديَّة نفسه، إذ هو طالبٌ لتعظيمهم وثنائهم ومدحهم. فهذه شعبٌ من شعب عبادة النفس١.

والأصل الذي هذه الشُّعب فروعُه هي النفس، فإذا ماتت بالمجاهدة، والإقبال على الله، والاشتغال به، ودوام المراقبة له= ماتت هذه الشُّعب. فلا جرم بناء أمر هذه الطائفة على ترك النفس٢.

وقد علمت أنَّ الخوف وطلب الثواب ليس من عبادة النفس في شيءٍ. نعم، التّزيُّن بالمراياة عين عبادة النفس والناس٣. والكلامُ في أمرٍ أرفع من هذا، فإنَّ حال المرائي أخسُّ ونفسَه أسقطُ وهمَّتَه أدنى من أن يدخل في شأن

  1. (١) ع: «عبودية النفس».
  2. (٢) ع: «ترك عبادة النفس».
  3. (٣) «والناس» ساقط من ع.
336

الصادقين١.

فصل

قال٢: (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن يُبقي٣ أعلامَ توحيد العامَّة الخبريَّة على ظواهرها. ولا يَتحمَّل البحثَ عنها تعسُّفًا، ولا يتكلَّف لها تأويلًا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا، ولا يدَّعي عليها إدراكًا أو توهُّمًا).

يشير الشيخ ﵁ بذلك إلى أنَّ حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها. وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان٤ العامَّة. ولا يعني بالعامَّة: الجهَّال، بل عامَّة الأمَّة، كما قال مالكٌ ﵀ وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ حتَّى علاه الرُّحَضاء، ثمَّ قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بدعة٥؛ فرَّق٦ بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر.

  1. (١) زاد في ع: «أو يذكر مع الصالحين».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٠).
  3. (٣) كذا ضبط في ل. وفي ج، ع: «تَبقى». وهو محتمِل في سائر النسخ.
  4. (٤) ش: «أفهام».
  5. (٥) أسنده الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٦٦) وابن المقرئ في «معجمه» (١٠٠٣) واللالكائي في «شرح السنة» (٦٦٤) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٧) و«الاعتقاد» (ص ١١٧) من طرق عنه.
  6. (٦) ع: «ففرَّق».
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي