مدارج السالكين

الصادقين١.

فصل

قال٢: (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن يُبقي٣ أعلامَ توحيد العامَّة الخبريَّة على ظواهرها. ولا يَتحمَّل البحثَ عنها تعسُّفًا، ولا يتكلَّف لها تأويلًا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا، ولا يدَّعي عليها إدراكًا أو توهُّمًا).

يشير الشيخ ﵁ بذلك إلى أنَّ حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها. وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان٤ العامَّة. ولا يعني بالعامَّة: الجهَّال، بل عامَّة الأمَّة، كما قال مالكٌ ﵀ وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ حتَّى علاه الرُّحَضاء، ثمَّ قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بدعة٥؛ فرَّق٦ بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر.

  1. (١) زاد في ع: «أو يذكر مع الصالحين».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٠).
  3. (٣) كذا ضبط في ل. وفي ج، ع: «تَبقى». وهو محتمِل في سائر النسخ.
  4. (٤) ش: «أفهام».
  5. (٥) أسنده الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٦٦) وابن المقرئ في «معجمه» (١٠٠٣) واللالكائي في «شرح السنة» (٦٦٤) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٧) و«الاعتقاد» (ص ١١٧) من طرق عنه.
  6. (٦) ع: «ففرَّق».
337

وهذا الجواب من مالكٍ ﵀ شافٍ عامٌّ في جميع مسائل الصِّفات، فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقولٍ.

وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنُّزول، والغضب، والرِّضا، والرحمة، والضحك، وغير ذلك؛ فمعانيها كلُّها مفهومة١. وأمَّا كيفيتها فغير معقولةٍ، إذ تعقُّل الكيف٢ فرع العلم بكيفيَّة الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقولٍ للبشر، فكيف تُعقل لهم كيفيَّة الصِّفات؟

والعصمة النافعة في هذا الباب: أن تصف٣ الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ. بل تُثبت له الأسماء والصِّفات، وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزَّهًا عن التشبيه، ونفيك منزَّهًا عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطِّل، ومن شبَّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّل، ومن قال: هو استواءٌ ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزِّه.

وهكذا الكلام في السمع، والبصر، والحياة، والإرادة، والعلم، والقدرة، واليد، والوجه، والرِّضا، والغضب، والنُّزول والضّحك، وسائر ما وصف به نفسه.

  1. (١) ش: «معلومة».
  2. (٢) ع: «الكيفية».
  3. (٣) ع: «يوصف».
338

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي