مدارج السالكين

والمنحرفون في هذا الباب وقد١ أشار الشيخ إليهم بقوله: (لا يتحمَّل البحث عنها تعسُّفًا)، أي لا يتكلَّف التّعسُّف في البحث عن كيفيَّاتها٢. والتّعسُّف سلوك غير الطريق، يقال: ركب فلانٌ التعاسيف في سيره، إذا كان يسير يمينًا وشمالًا جائرًا عن الطريق.

(ولا يتكلَّف لها تأويلًا): أراد بالتأويل هاهنا التأويل الاصطلاحي، وهو صرف اللفظ عن ظاهره عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. وقد حكى غير واحدٍ من العلماء إجماع السلف على تركه. وممَّن حكاه البغويُّ٣، وأبو المعالي الجوينيُّ في رسالته «النِّظاميَّة»٤ بخلاف ما سلكه في «شامله»٥ و«إرشاده»٦. وممَّن حكاه سعد بن عليٍّ الزَّنجاني٧. وقبل

  1. (١) كذا في عامة النسخ عدا ش، ع مسبوقةً بواو الحال، وقد أخذ المؤلف في الجملة الحالية وأطال فيها حتى سها عن ذكر خبر للمبتدأ: «المنحرفون».
  2. (٢) في النسخ عدا الأصل، ل، ع: «كيفيتها». ويظهر أنه كان كذلك في الأصل ثم زيدت الألف بعد ذلك.
  3. (٣) في «شرح السنة» (١/ ١٧٠ - ١٧١). وانظر: «معالم التنزيل» (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦) في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
  4. (٤) (ص ٣٢ - ٣٣).
  5. (٥) انظر فيه: «باب في ذكر تأويل جُمَل من ظواهر الكتاب والسنة» (ص ٥٤٣ - ٥٧٠).
  6. (٦) انظر فيه تأويل الاستواء (ص ٤٠ - ٤٢)، والرحمة (ص ١٤٥)، واليدين والوجه والمجيء والنزول وغيرها (ص ١٥٥ - ١٦٤)، والمحبَّة (ص ٢٣٨ - ٢٣٩).
  7. (٧) الحافظ الزاهد شيخ الحرم (ت ٤٧١). وقد نقل كلامه في ذلك المؤلفُ في «اجتماع الجيوش» (ص ٢٥٢ - ٢٥٩) من جواباته على مسائل سئل عنها بمكة. وله أيضًا قصيدةٌ رائيَّة في السنة وشرحٌ عليها، وهي مطبوعة مع القدر الذي وجد من شرحه.
339

هؤلاء خلائقُ من العلماء لا يحصيهم إلَّا الله.

(وأن لا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا) أي: لا يمثِّلها بصفات المخلوقين. وفي قوله: (لا يتجاوز ظواهرها) إشارة لطيفة، وهي أنَّ ظواهرها لا تقتضي التمثيل كما يظنُّه المعطِّلة النُّفاة، وأنَّ التمثيل تجاوزٌ لظواهرها إلى ما لا تقتضيه، كما أنَّ تأويلها١ تكلُّفٌ وحملٌ لها على ما لا تقتضيه، فهي لا تقتضي ظواهرُها تمثيلًا، ولا تحتمل تأويلًا، بل إجراءً٢ على ظاهرها٣ بلا تأويلٍ ولا تمثيلٍ، فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل.

وأمَّا قوله: (ولا يدَّعي عليها إدراكًا)، أي لا يدَّعي عليها استدراكًا، ولا فهمًا ولا معنًى غير فهم العامَّة، كما يدَّعيه أرباب الكلام الباطل المذموم بإجماع السَّلف.

وقوله: (ولا توهُّمًا)، أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهُّم. والتوهُّم نوعان: توهُّم كيفيَّةٍ لا يدلُّ عليه ظواهرها، أو توهُّم معنًى غير ما تقتضيه ظواهرها. وكلاهما توهُّم باطل. وهما توهُّم تشبيهٍ وتمثيلٍ أو تحريفٍ وتعطيلٍ.

وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبيِّن مرتبته من السُّنَّة ومقدارَه في العلم، وأنّه بريءٌ ممَّا رماه به أعداؤه الجهميَّة من التشبيه والتمثيل٤، على عادتهم

  1. (١) ع: «التأويل».
  2. (٢) ش: «إجراؤها».
  3. (٣) ع: «ظواهرها».
  4. (٤) انظر قصة اتِّهامهم له بذلك بين يدي السلطان ألب أرسلان في «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥١٢).
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي