مدارج السالكين
إن كان نصبًا حبُّ صحب محمَّدٍفليشهد الثقلان أنِّي ناصبي

وعفا الله عن الثالث حيث يقول١:

فإن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاتهوتنزيهها عن كلِّ تأويل مفتري
فإنِّي بحمد الله ربِّي مجسِّمٌهلمُّوا شهودًا واملأوا كلَّ محضر

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: صيانة الانبساط أن تشوبه جرأة، وصيانة السُّرور أن يداخله أمن، وصيانة الشُّهود أن يعارضه سبب).

لمَّا كانت هذه الدرجة عنده مختصَّةً بأهل المشاهدة، والغالب عليهم الانبساط والسُّرور، فإنَّ صاحبها متعلِّقٌ باسمه الباسط= حذَّره من شائبة الجرأة، وهي ما تَخرج به٣ عن أدب العبودية، وتُدخله في الشطح، كشطح من قال: سبحاني٤، ونحو ذلك من الشطحات المعروفة المُخرجة عن أدب

  1. (١) ولعل القائل هو المؤلف نفسه. وقد ذكر في مقدمة «الكافية الشافية» (١/ ٢٩) بيتًا ملفَّقًا من هذين فقال:
    فإن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاته ... تعالى فإني اليومَ عبدٌ مجسِّمُ
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٠).
  3. (٣) ع: «تخرجه».
  4. (٤) ينسب هذا الشطح الشنيع لأبي يزيد البسطامي ﵀ كما في «قوت القلوب» (٢/ ٧٥). وانظر: ««اللُّمع» (ص ٣٩٠ - ٣٩١)، و«مجموع الفتاوى» (٨/ ٣١٣)، و«السير» (١٣/ ٨٨ - ٨٩).
342

العبوديَّة التي نهايةُ صاحبها أن يُعذَر بزوال عقله وغلبة سكر الحال عليه. فلا بدَّ من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة، وإلَّا وقع في الجرأة ولا بدَّ، فالمراقبة تصونه عن ذلك.

قوله: (وصيانة السُّرور أن يداخله أمن)، يعني أنَّ صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرورٌ لا يشبهه سرورٌ البتَّة، فينبغي له أن لا يأمن في هذا الحال المكرَ، بل يصون سرورَه وفرحَه١ بخوف العاقبةِ المطويِّ عنه علمُ غيبها، ولا يغترَّ.

وأمَّا (صيانة الشُّهود أن يعارضه بسببٍ٢)، يريد أنَّ صاحب الشُّهود قد يكون ضعيفًا في شهود حقيقة التوحيد فيتوهَّم أنَّه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التامِّ والعبادة الخالصة٣، فينسب حصول ما حصل له من الشُّهود إلى سببٍ منه، وذلك نقصٌ في توحيده ومعرفته لأنَّ الشُّهود لا يكون إلا موهبةً، ليس كسبيًّا، ولو كان كسبيًّا فشهود سببه نقصٌ في التوحيد، وغيبةٌ عن شهود الحقيقة.

ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشُّهود: ورودَ خاطرٍ على الشاهد يكدِّر عليه صفو شهوده، فيصونه عن ورود سببٍ يعارضه: إمَّا معارض إرادةٍ، وإما معارض شبهةٍ؛ وقد يعمُّ كلامه الأمرين. والله أعلم.

  1. (١) في ع زيادة: «عن خطفات المكر».
  2. (٢) ع: «سببٌ»، وهو الذي سبق في المتن مطلع الفصل.
  3. (٣) في الأصل وغيره: «الخاصة»، ولعل المثبت من ع أشبه.
343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي