مدارج السالكين

العبوديَّة التي نهايةُ صاحبها أن يُعذَر بزوال عقله وغلبة سكر الحال عليه. فلا بدَّ من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة، وإلَّا وقع في الجرأة ولا بدَّ، فالمراقبة تصونه عن ذلك.

قوله: (وصيانة السُّرور أن يداخله أمن)، يعني أنَّ صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرورٌ لا يشبهه سرورٌ البتَّة، فينبغي له أن لا يأمن في هذا الحال المكرَ، بل يصون سرورَه وفرحَه١ بخوف العاقبةِ المطويِّ عنه علمُ غيبها، ولا يغترَّ.

وأمَّا (صيانة الشُّهود أن يعارضه بسببٍ٢)، يريد أنَّ صاحب الشُّهود قد يكون ضعيفًا في شهود حقيقة التوحيد فيتوهَّم أنَّه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التامِّ والعبادة الخالصة٣، فينسب حصول ما حصل له من الشُّهود إلى سببٍ منه، وذلك نقصٌ في توحيده ومعرفته لأنَّ الشُّهود لا يكون إلا موهبةً، ليس كسبيًّا، ولو كان كسبيًّا فشهود سببه نقصٌ في التوحيد، وغيبةٌ عن شهود الحقيقة.

ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشُّهود: ورودَ خاطرٍ على الشاهد يكدِّر عليه صفو شهوده، فيصونه عن ورود سببٍ يعارضه: إمَّا معارض إرادةٍ، وإما معارض شبهةٍ؛ وقد يعمُّ كلامه الأمرين. والله أعلم.

  1. (١) في ع زيادة: «عن خطفات المكر».
  2. (٢) ع: «سببٌ»، وهو الذي سبق في المتن مطلع الفصل.
  3. (٣) في الأصل وغيره: «الخاصة»، ولعل المثبت من ع أشبه.
343

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإخلاص.

قال تعالى: ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].

وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].

وقال١: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ [الدِّينَ ١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ١٢ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٣ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ]٢ دِينِي ١٤ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥].

وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].

وقال: ﴿٣ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]؛ قال الفُضَيل بن عياض ﵁: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص: أن يكون لله، والصَّواب أن يكون على السُّنَّة. ثمّ قرأ قوله تعالى:

  1. (١) زاد في ع: «لنبيه».
  2. (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من جميع النسخ، ولعله من سهو المؤلف.
  3. (٣) في النسخ عدا ع زيادة «هو»، وهي خطأ، ولذا مُحيت في ش.
344

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي