ورائهم». أي: لا يبقى فيه غلٌّ، ولا يحمل الغلَّ مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غلَّه١ وتخرجه منه، فإنَّ القلب يَغلُّ على الشِّرك أعظم غلٍّ، وكذلك يغلُّ على الغشِّ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة؛ فهذه الثلاثة تملؤه غلًّا ودغلًا. ودواء هذا الغلِّ واستفراغُ أخلاطه بتجريد الإخلاص والنُّصح ومتابعة السُّنّة.
وسئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل رياءً، ويقاتل شجاعةً، ويقاتل حميَّةً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»٢.
وأخبر عن أوَّل ثلاثةٍ تسعَّر بهم النار: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدِّق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلانٌ قارئ، وشجاع، ومتصدِّق٣؛ لم تكن أعمالهم لله٤.
وفي الحديث الصحيح الإلهيِّ يقول الله ﷿: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو للَّذي أشرك به، وأنا منه بريء»٥.
(١) في ع زيادة: «وتنقيه منه».
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى.
(٣) ع: «فلان شجاع، فلان متصدق».
(٤) أخرجه مسلم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة وفيه أنهم «أول الناس يقضي يوم القيامة عليه». وأما التصريح بأنهم «أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة» ففي رواية الترمذي (٢٣٨٢) وابن خزيمة (٢٤٨٢) وابن حبان (٤٠٨) بإسناد جيد.
(٥) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٠٢) وابن خزيمة (٩٣٨) وابن حبان (٣٩٥)، واللفظ بروايتهم أشبه.
وفي أثرٍ آخر: «يقول له يوم القيامة: اذهب فخذ أجرك ممَّن عملتَ له، لا أجر لك عندنا»١.
وفي «الصحيح»٢ عنه: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».
وفي أثرٍ مرويٍّ إلهيٍّ: «الإخلاص سرٌّ من سرِّي، استودعتُه قلبَ من أحببتُه مِن عبادي»٣.
(١) روي بنحوه في حديث طويل أخرجه أحمد بن منيع في «مسنده» ــ كما في «المطالب العالية» (٣٢١٥) ــ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. وإسناده ضعيف. وله شاهد عند أحمد (١٥٨٣٨) والترمذي (٣١٥٤) وابن ماجه (٤٢٠٣) وابن حبان (٤٠٤) من حديث زياد بن مِيناء عن أبي سعد ــ ويقال: أبي سعيد ــ بن أبي فضالة الأنصاري ﵁ بلفظ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليومٍ لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عملٍ عَمِله لله أحدًا، فليطلب ثوابَه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». قال علي ابن المديني ــ كما في ترجمة زياد بن مِيناء من «تهذيب الكمال» ــ: إسناده صالح يقبله القلب، وزياد بن ميناء مجهول لا أعرفه.
(٢) لمسلمٍ (٢٥٦٤/ ٣٣).
(٣) رُوي ذلك في حديث مسلسل يقول كل واحدٍ من رواته: (سألتُ فلانًا عن الإخلاص ما هو؟) إلى أن ينتهي إلى أحمد بن عطاء الهُجَيمي، عن عبد الواحد بن زيد، عن الحسن البصري، عن حذيفة عن النبي ﷺ عن جبريل عن الله تعالى. أسنده القشيري في «الرسالة» (ص ٤٧٧ ــ وفي إسناده سقط) وابن العربي في «مسلسلاته» ــ كما في «الفتح» (٤/ ١٠٩) ــ ومن طريقه محمد عبد الباقي الأيوبي في «المناهل السَّلسَلة» (ص ١٢٢) وغيرهم. وهو حديث واهٍ جدًّا كما قال الحافظ في «الفتح»، بل الظاهر أنه موضوع مختلق، فإن أحمد بن عطاء وشيخه عبد الواحد بن زيد ــ وإن كانا عابدين زاهدين ــ متروكان في الحديث، وإن الحسن لم يلقَ حذيفة قط بل ولا رآه، فضلًا عن أن يسأله عن معنى الإخلاص!