مدارج السالكين

وقال بعضهم: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه.

وقال مكحولٌ: ما أخلص عبدٌ قطُّ أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه١.

وقال يوسف بن الحسين: أعزُّ شيءٍ في الدُّنيا: الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرِّياء عن قلبي فكأنَّه ينبت على لونٍ آخر٢.

وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرِّياء٣.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٤: (الإخلاص: تصفية العمل من كلِّ شوبٍ).

  1. (١) أسنده القشيري (ص ٤٨٠). وأسنده ابن المبارك في «الزهد» (١٠١٤) وابن أبي شيبة (٣٥٤٨٥) وهنَّاد في «الزهد» (٦٧٨) عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا.
  2. (٢) أسنده القشيري (ص ٤٨١).
  3. (٣) أسنده القشيري (ص ٤٨١) ومن طريقه ابن عساكر (٣٤/ ١٤٠). قال ابن عساكر: «كذا قال: الرياء، وإنما هو الرؤيا» ثم أسنده من طريقين آخرين بلفظ «الرؤيا» وفي آخره: «قال أبو سليمان: وربما أقمت سنين فما أرى في النوم شيئًا». وكذا أسنده أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٦٠). فما عند القشيري وهم منه أو من شيخه النصراباذي. هذا، وقد أسند ابن عساكر عقب قول أبي سليمان حكايةً له تدل على أن مراده بالرؤيا التي تنقطع بالإخلاص ما كانت من الشيطان كالتي تسبب الاحتلام ونحوه.
  4. (٤) (ص ٣١).
350

أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إمَّا طلب التزيُّن في قلوب الخلق، وإمَّا طلب مدحهم والهرب من ذمِّهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم١ وقضائهم حوائجه، أو طلب محبَّتهم له، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقدُ متفرِّقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنًا ما كان.

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: إخراج رؤية العمل من العمل، والخلاص من طلب العوض على العمل، والنُّزول عن الرِّضا بالعمل).

يعرض للعامل في عمله ثلاث آفاتٍ: رؤيته وملاحظته، وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه. ففي هذه الدرجة يتخلَّص من هذه الثلاثة٣.

فالذي يخلِّصه من رؤية عمله: مشاهدتُه لمنَّة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنَّه بالله لا بنفسه، وأنَّه إنَّما أوجب عملَه مشيئةُ الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. فهنا ينفعه شهود الجبر، وأنَّه آلة محضة، وأنَّ فعله كحركات الأشجار وهبوب الرِّياح، وأنَّ المحرِّك غيرُه والفاعلَ فيه سواه، وأنَّه ميِّت والميِّت لا يفعل شيئًا، وأنَّه لو خلِّي ونفسَه لم يكن من فعله الصالح شيءٌ البتَّة، فإنَّ النفس جاهلة ظالمة، طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة، وهي منبع كلِّ شرٍّ ومأوى كلِّ سوءٍ. وما كان هكذا

  1. (١) في ع زيادة: «ومحبتهم»، وسقط منه: «أو طلب محبتهم له» فيما سيأتي.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣١).
  3. (٣) ع: «من هذه البليّة»، تصحيف.
351

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي