مدارج السالكين

لم يصدر منه خيرٌ، ولا هو من شأنه.

فالخير الذي صدر منها إنَّما هو من الله تعالى وبه، لا من العبد ولا به. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١].

وقال أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].

وقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤].

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].

فكلُّ خيرٍ في العبد فهو مجرّد فضل الله ومنَّته وإحسانه ونعمته، وهو المحمود عليه، فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخَلْقيَّة من سمعه وبصره وإدراكه وقوَّته، بل من صحَّته وسلامة أعضائه، ونحو ذلك؛ فالكلُّ مجرَّد عطاء الله ونعمته وفضله. فالذي يخلِّص العبد من هذه الآفة معرفةُ ربِّه ومعرفة نفسه.

والّذي يخلِّصه من طلب العوض على العمل: علمه بأنَّه عبدٌ محض، والعبد لا يستحقُّ على خدمته لسيِّده عوضًا ولا أجرةً، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديَّته. فما يناله من سيِّده من الأجر والثواب تفضُّلٌ منه وإحسانٌ إليه وإنعامٌ عليه، لا معاوضة؛ إذ الأجرة إنَّما يستحقُّها الحرُّ أو عبد الغير، فأمَّا عبدُه نفسِه فلا.

352

والذي يخلِّصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران:

أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه، وما فيه من حظِّ النفس ونصيب الشّيطان؛ فقلَّ عملٌ من الأعمال إلّا وللشيطان فيه نصيبٌ وإن قلَّ، وللنَّفس فيه حظٌّ. سئل النبيُّ ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد»١. فإذا كان هذا التفاتُ طَرْفِه ولحظه، فكيف التفاتُ قلبه إلى ما سوى الله؟ هذا أعظم نصيب الشيطان من العبوديَّة.

وقال ابن مسعودٍ ﵁: لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته، يرى أنَّ حقًّا عليه أن لا ينصرف إلَّا عن يمينه٢؛ فجعل هذا القدر اليسير النزر حظًّا ونصيبًا للشيطان من صلاة العبد، فما الظنُّ بما فوقه؟

وأمَّا حظُّ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون.

الثاني: علمه بما يستحقُّه الربُّ ﷻ من حقوق العبوديَّة وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأنَّ العبد أضعف وأعجز وأقلُّ من أن يوفِّيها حقَّها وأن يرضى بها لربِّه، فالعارف لا يرضى بشيءٍ من عمله لربِّه، ولا يرضى نفسه لله تعالى طرفة عينٍ، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنِّه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرِّضا بعمله والرِّضا عن نفسه.

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٥١) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٨٥٢) ومسلم (٧٠٧).
353

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي